الغرامات القانونية وشركات التقنية العالمية

| د. عبدالقادر ورسمه

شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬العملاقة‭ ‬ومنها‭ ‬أبل‭ ‬وجوجل‭ ‬وتوتير‭ ‬وفيسبوك‭ ‬وواتساب‭ ‬وغيرها،‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬دروب‭ ‬الحياة،‭ ‬بل‭ ‬وصل‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬لمرحلة‭ ‬الإدمان‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬فكاك‭ ‬منها‭ ‬منذ‭ ‬الاستيقاظ‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬دقيقة‭ ‬قبل‭ ‬النوم‭. ‬وبالطبع،‭ ‬هناك‭ ‬فوائد‭ ‬لا‭ ‬تحصي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬التزاوجية‭ ‬بين‭ ‬البشر‭ ‬والتقنية‭ ‬ورواد‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬الذين‭ ‬حققوا‭ ‬أرباحا‭ ‬بالملايين‭. ‬

ولكن‭ ‬هل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬مقبول‭ ‬وسليم‭ ‬ومطابق‭ ‬للقوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬وأخلاقيات‭ ‬العمل‭ ‬والأعراف‭ ‬السائدة؟‭ ‬والإجابة‭ ‬المنطقية‭ ‬والعملية‭ ‬لا،‭ ‬ولكن‭ ‬أصبح‭ ‬التعامل‭ ‬أمر‭ ‬واقع‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منه‭. ‬واستمر‭ ‬الوضع‭ ‬على‭ ‬هذا،‭ ‬حتي‭ ‬صدور‭ ‬الأمر‭ ‬بغرامات‭ ‬كبيرة،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬ايرلندا‭ ‬وأميركا‭ ‬وغيرهم،‭ ‬ضد‭ ‬شركة‭ ‬واتساب‭. ‬وهنا،‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الغرامة‭ ‬تمثل‭ ‬صفعة‭ ‬قوية‭ ‬لشركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ونأمل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬لرشدها‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الصفعة‭ ‬التاريخية‭. ‬

الاتفاقية‭ ‬الأوروبية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬لعام‭ ‬1950‭ ‬تتضمن‭ ‬حكمًا‭ ‬أن‭ ‬“لكل‭ ‬شخص‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬حياته‭ ‬الخاصة‭ ‬ويشمل‭ ‬حياته‭ ‬العائلية‭ ‬ومنزله‭ ‬ومراسلاته‭....‬”‭. ‬وبناء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية،‭ ‬تم‭ ‬إصدار‭ ‬قانون‭ ‬حماية‭ ‬البيانات‭ ‬الشخصية‭ ‬لدول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوربي‭. ‬وهذا‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬مجمله‭ ‬يحمي‭ ‬الإنسان‭ ‬وخصوصيته،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬نظري‭ ‬يمثل‭ ‬قمة‭ ‬الرقي‭ ‬الأوربي‭ ‬في‭ ‬تمجيد‭ ‬قدر‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬كرمه‭ ‬الرحمن‭. ‬والأحكام‭ ‬التي‭ ‬تضمنها‭ ‬القانون‭ ‬الأوربي‭ ‬لحماية‭ ‬البيانات‭ ‬الشخصية‭ ‬الخاصة‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬قوانين‭ ‬الخصوصية‭ ‬والأمن‭ ‬الرقمي‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وهذا‭ ‬القانون‭ ‬له‭ ‬أسنان‭ ‬قوية‭ ‬“للعض”،‭ ‬لأنه‭ ‬يفرض‭ ‬غرامات‭ ‬قاسية‭ ‬على‭ ‬الذين‭ ‬ينتهكون‭ ‬معايير‭ ‬الخصوصية‭. ‬بل،‭ ‬وهناك‭ ‬عقوبات‭ ‬قوية‭ ‬تصل‭ ‬الغرامة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬عشرين‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭.‬

تنطبق‭ ‬الأحكام‭ ‬العامة‭ ‬لحماية‭ ‬البيانات‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الشركات‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬وذلك‭ ‬عند‭ ‬معالجة‭ ‬البيانات‭ ‬الشخصية‭ ‬لمواطني‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬أو‭ ‬المقيمين‭ ‬فيه،‭ ‬ولدى‭ ‬كل‭ ‬أصحاب‭ ‬البيانات‭ ‬الشخصية‭ ‬من‭ ‬الأوروبيين‭ ‬أو‭ ‬المقيمين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬الحق‭ ‬بالمطالبة‭ ‬بتعويضات‭ ‬مالية‭ ‬إذا‭ ‬تعرضت‭ ‬بياناتهم‭ ‬للانتهاك‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬خرق‭ ‬قواعد‭ ‬الخصوصية‭ ‬بشأنها‭. ‬ولهذا،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الشركة‭ ‬تعالج‭ ‬معلومات‭ ‬وبيانات‭ ‬لأوروبيين‭ ‬على‭ ‬موقعها‭ ‬فعليها‭ ‬مراعاة‭ ‬مبادئ‭ ‬حماية‭ ‬البيانات‭ ‬عند‭ ‬التصميم،‭ ‬مثل‭ ‬تشفير‭ ‬البيانات‭ ‬لجعلها‭ ‬عديمة‭ ‬الفائدة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬معروفة‭ ‬للعموم‭. ‬ومن‭ ‬الأحكام‭ ‬الهامة‭ ‬في‭ ‬القانون،‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الموافقة‭ ‬لمعالجة‭ ‬المعلومات‭ ‬الشخصية‭ ‬وأن‭ ‬يتم‭ ‬ذلك‭ ‬بلغة‭ ‬واضحة‭ ‬وصريحة،‭ ‬وينصح‭ ‬بالاحتفاظ‭ ‬بأدلة‭ ‬موثقة‭ ‬تؤيد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الموافقة‭. ‬ويمكن‭ ‬لأي‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬سحب‭ ‬الموافقة‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬منحها‭ ‬لمعالجة‭ ‬البيانات‭ ‬الخاصة‭ ‬به‭. ‬وعند‭ ‬العلم‭ ‬بحدوث‭ ‬خرق‭ ‬للبيانات،‭ ‬على‭ ‬الشركة‭ ‬أن‭ ‬تبلغ‭ ‬أصحاب‭ ‬البيانات‭ ‬المخترقة‭ ‬فورًا‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬العقوبات‭. ‬والدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الأخبار‭ ‬الواردة‭ ‬من‭ ‬ايرلندا‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬غرامة‭ ‬مالية‭ ‬قدرها‭ (‬225‭) ‬مليون‭ ‬يورو‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬واتساب‭ ‬التابع‭ ‬لفيسبوك‭ ‬لانتهاكه‭ ‬قوانين‭ ‬خصوصية‭ ‬البيانات‭ ‬الأوروبي.

إن‭ ‬تطبيق‭ ‬واتساب‭ ‬مرخص‭ ‬كشركة‭ ‬مقيمة‭ ‬في‭ ‬ايرلندا‭ ‬وكما‭ ‬معلوم‭ ‬هو‭ ‬يتبع‭ ‬لشركة‭ ‬فيسبوك‭ ‬الأميركية،‭ ‬واتضح‭ ‬أن‭ ‬واتساب‭ ‬يرسل‭ ‬البيانات‭ ‬الشخصية‭ ‬للشركة‭ ‬الرئيسة‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬دون‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الموافقة‭ ‬اللازمة‭. ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ايرلندا‭ ‬ترخص‭ ‬لشركات‭ ‬التقنية‭ ‬وتمنحهم‭ ‬مزايا‭ ‬خاصة‭ ‬لتشجيعهم‭ ‬للاستثمار،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬إصدار‭ ‬الغرامة‭ ‬الكبيرة‭ ‬نظرًا‭ ‬لما‭ ‬رشح‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬الحماية‭ ‬لشركة‭ ‬فيسبوك‭ ‬تم‭ ‬اختراقها‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬خطورة‭ ‬على‭ ‬البيانات‭ ‬الشخصية،‭ ‬وهنا‭ ‬الخطر‭. ‬

وكرد‭ ‬فعل‭ ‬للإجراء‭ ‬الأوربي‭ ‬المتشدد،‭ ‬وعدت‭ ‬واتساب‭ ‬بإدخال‭ ‬تعديلات‭ ‬جوهرية‭ ‬من‭ ‬ضمنها‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬البيانات‭ ‬الشخصية‭. ‬وبعد‭ ‬سيل‭ ‬الانتقادات‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أرجاء‭ ‬العالم،‭ ‬بشأن‭ ‬تغيير‭ ‬شروط‭ ‬الاستخدام،‭ ‬قررت‭ ‬“منصة‭ ‬واتساب‭ ‬للمراسلة”‭ ‬إرجاء‭ ‬دخول‭ ‬التغييرات‭ ‬الجديدة‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬لعدة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬مسعى‭ ‬لتطمين‭ ‬المستخدمين‭. ‬وقالت‭ ‬الشركة‭ ‬إنها‭ ‬سترجئ‭ ‬المهلة‭ ‬المحددة‭ ‬للمستخدمين‭ ‬لقراءة‭ ‬الشروط‭ ‬والموافقة‭ ‬عليها‭. ‬ولعدة‭ ‬مرات،‭ ‬أكدت‭ ‬“واتساب”‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬المحادثات‭ ‬عبر‭ ‬منصتها‭ ‬ستبقى‭ ‬محمية‭ ‬بواسطة‭ ‬تقنية‭ ‬التشفير‭ ‬التام‭ ‬بين‭ ‬طرفي‭ ‬المحادثة‭ ‬وبالتالي‭ ‬لن‭ ‬تتمكن‭ ‬المنصة‭ ‬ولا‭ ‬شركتها‭ ‬الأم‭ ‬“فيسبوك”‭ ‬من‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬مضمونها‭.‬

إن‭ ‬الغرامات،‭ ‬هزت‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بعضها‭ ‬بالشر‭ ‬وبعضها‭ ‬بالخير‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬بالطبع‭ ‬يستفيد‭ ‬المستهلك‭ ‬لخدمات‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭. ‬إن‭ ‬القوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬ذات‭ ‬القوة‭ ‬الضاربة،‭ ‬في‭ ‬نظرنا،‭ ‬ضرورية‭ ‬لكبح‭ ‬جماح‭ ‬الغلو‭ ‬والابتزاز‭ ‬والأنانية‭ ‬والاحتكار‭ ‬المبعد‭ ‬للمنافسة‭ ‬الشريفة‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ظلت‭ ‬عليه‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬للخصوصية‭ ‬وللأخلاق‭ ‬المؤسسية‭ ‬والقيم‭ ‬التجارية‭ ‬المتوارثة‭ ‬بين‭ ‬مقدم‭ ‬الخدمات‭ ‬والمستهلك‭. ‬ولذا،‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬مما‭ ‬ليس‭ ‬منه‭ ‬بد،‭ ‬وتدخل‭ ‬القانون‭ ‬لوضع‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬إطارها‭ ‬الصحيح‭ ‬لمصلحة‭ ‬الإنسان‭. ‬