لا تميل وإن مال

| هلا الخباز

أذكر‭ ‬أنني‭ ‬كنتُ‭ ‬أمدح‭ ‬أمامها‭ ‬زميل‭ ‬عمل،‭ ‬فبادرتني‭ ‬بردّ‭ ‬هادئ‭ ‬لكنه‭ ‬قاطع‭.. ‬“نسيتي‭ ‬أو‭ ‬تناسيتي‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬بفلان؟‭ ‬الأخلاق‭ ‬لا‭ ‬تتجزأ‭ ‬يا‭ ‬عزيزتي،‭ ‬لا‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منصفًا‭ ‬في‭ ‬موقف،‭ ‬وجاحدًا‭ ‬في‭ ‬آخر”‭. ‬بدت‭ ‬جملة‭ ‬عابرة،‭ ‬لكنها‭ ‬استقرّت‭ ‬في‭ ‬أذني‭ ‬كحلقةٍ‭ ‬لا‭ ‬تسقط،‭ ‬“حلقة‭ ‬وعلّقتها‭ ‬بوداني”،‭ ‬على‭ ‬قول‭ ‬إخوتنا‭ ‬المصريين‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬صارت‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬تعود‭ ‬إليّ‭ ‬كلما‭ ‬تورّطتُ‭ ‬في‭ ‬حكمٍ‭ ‬سريع‭ ‬على‭ ‬الأشخاص،‭ ‬حكم‭ ‬تصنعه‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة،‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬تلبث‭ ‬الأيام‭ ‬أن‭ ‬تهدمه‭ ‬بمواقف‭ ‬أخرى‭ ‬تكشف‭ ‬الصورة‭ ‬كاملة‭. ‬وكأن‭ ‬صديقتي‭ ‬يومها‭ ‬كانت‭ ‬تعيدني‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تدري‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬الأديب‭ ‬طه‭ ‬حسين‭: ‬“الأخلاق‭ ‬لا‭ ‬تُؤخذ‭ ‬أجزاءً،‭ ‬فمن‭ ‬قبل‭ ‬منها‭ ‬شيئًا‭ ‬وردّ‭ ‬شيئًا،‭ ‬لم‭ ‬يأخذها‭ ‬حقًا”‭. ‬فالأخلاق،‭ ‬في‭ ‬حقيقتها،‭ ‬ليست‭ ‬سلوكًا‭ ‬انتقائيًا،‭ ‬ولا‭ ‬قناعًا‭ ‬نرتديه‭ ‬عند‭ ‬الرغبة‭ ‬ونخلعه‭ ‬بحسب‭ ‬الشخص‭ ‬المقابل‭ ‬أو‭ ‬بحسب‭ ‬موقف‭ ‬معين،‭ ‬فالإنسان‭ ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خلوقًا‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬تصرّفاته‭. ‬في‭ ‬رضاه‭ ‬وغضبه،‭ ‬في‭ ‬قوته‭ ‬وضعفه،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬أخلاقه‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬ردّ‭ ‬فعلٍ‭ ‬مؤقت،‭ ‬لا‭ ‬مبدأ‭ ‬راسخًا‭.‬

الأخلاق‭ ‬منظومة‭ ‬واحدة‭ ‬متكاملة‭: ‬الإنصاف‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬الصدق،‭ ‬والمروءة‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬دون‭ ‬الرحمة،‭ ‬والنبل‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬بغير‭ ‬كرم‭ ‬النفس‭ ‬وطيب‭ ‬المعشر‭. ‬ولهذا‭ ‬قال‭ ‬الفارابي‭ ‬بوضوح‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬التأويل‭: ‬“الفضيلة‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬القسمة،‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نفسًا‭ ‬فاضلة‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تكون”‭.‬

كم‭ ‬مرة‭ ‬صُدمنا‭ ‬من‭ ‬ردّة‭ ‬فعل‭ ‬شخصٍ‭ ‬ظننّاه‭ ‬مختلفًا؟‭ ‬كنا‭ ‬نصفه‭ ‬بالنبل‭ ‬والإنصاف،‭ ‬حتى‭ ‬وقفنا‭ ‬مذهولين‭ ‬أمامه‭ ‬نردد‭ ‬“لم‭ ‬أتوقعها‭ ‬منك‭!‬”،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬المواقف‭ ‬والدروس‭ ‬التي‭ ‬علمتنا‭ ‬ألا‭ ‬نرفع‭ ‬سقف‭ ‬توقعاتنا‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬الشعبي‭ ‬“ما‭ ‬حدا‭ ‬على‭ ‬راسه‭ ‬خيمة”

ومع‭ ‬كل‭ ‬الإشارات‭ ‬التي‭ ‬ترسلها‭ ‬لنا‭ ‬الحياة‭ ‬بهدوء‭ ‬لتنذرنا‭.. ‬نتجاهلها‭. ‬بدافع‭ ‬الحب‭ ‬أو‭ ‬حسن‭ ‬الظن،‭ ‬نقنع‭ ‬أنفسنا‭ ‬أحيانًا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬شاهدناه‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬خلق‭ ‬استثناء،‭ ‬أو‭ ‬لحظة‭ ‬غضب،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬المواقف‭ ‬لا‭ ‬تخلق‭ ‬الأخلاق،‭ ‬بل‭ ‬تكشفها‭.‬

تأخذنا‭ ‬لحظة‭ ‬العاطفة‭ ‬فننسى‭ ‬حكمة‭ ‬الأمهات‭ ‬البسيطة،‭ ‬التي‭ ‬اختزلت‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بعبارة‭ ‬واحدة‭: ‬“اللي‭ ‬حكى‭ ‬لك‭ ‬عنهم،‭ ‬بكرة‭ ‬يحكي‭ ‬عليك”‭.‬

أذكر‭ ‬يومًا‭ ‬أنني‭ ‬رأيت‭ ‬تصرّفًا‭ ‬لعزيزة‭ ‬مع‭ ‬صديقة‭ ‬لها،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الخلاف‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬مخيفًا،‭ ‬بل‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تعاطت‭ ‬بها‭ ‬معه‭.. ‬حدتها،‭ ‬رسائلها،‭ ‬استفزازها،‭ ‬تجريحها،‭ ‬وغياب‭ ‬المنطق‭.. ‬كلها‭ ‬جعلتني‭ ‬أتراجع‭ ‬خطوة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬كأنني‭ ‬أرى‭ ‬مشهدًا‭ ‬مستقبليًا‭ ‬يلوّح‭ ‬لي‭: ‬هكذا‭ ‬سيكون‭ ‬الدور‭ ‬حين‭ ‬أصل‭ ‬أنا‭ ‬إلى‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى‭.. ‬سيحين‭ ‬دوري‭ ‬لا‭ ‬محالة‭!‬

عندما‭ ‬واجهتها‭ ‬لاحقًا،‭ ‬قالت‭ ‬بثقة‭ ‬واستغراب‭ ‬“أنت‭ ‬استثناء”‭.. ‬هربت‭ ‬لأنه‭ ‬بحكم‭ ‬الخبرة‭ ‬والوعي‭ ‬الذي‭ ‬أراهن‭ ‬عليه‭ ‬أحيانًا،‭ ‬أن‭ ‬الأخلاق‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬بالاستثناءات‭.‬

وتردّدت‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬كلمات‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬إيمانويل‭ ‬كانط‭: ‬“الأخلاق‭ ‬ليست‭ ‬مجالًا‭ ‬للاستثناء،‭ ‬فما‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬للجميع‭ ‬لا‭ ‬يصلح‭ ‬لأحد”‭. ‬فصاحب‭ ‬الخُلق‭ ‬الحقيقي‭ ‬يُختبَر‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬انكساره،‭ ‬في‭ ‬غضبه،‭ ‬في‭ ‬شعوره‭ ‬بالظلم‭. ‬هناك‭.. ‬فقط‭ ‬هناك،‭ ‬نعرف‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬الأخلاق‭ ‬جذرًا‭ ‬عميقًا‭ ‬أم‭ ‬قشرة‭ ‬سطحية‭.‬

كذبوا‭ ‬علينا‭ ‬حين‭ ‬روّجوا‭ ‬لعبارة‭: ‬“هم‭ ‬يخرجون‭ ‬أسوأ‭ ‬ما‭ ‬فينا”،‭ ‬فالأسوأ‭ ‬فينا‭ ‬إن‭ ‬وجد‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ظلمًا‭ ‬ولا‭ ‬تعديًا‭ ‬ولا‭ ‬كسرًا‭ ‬للآخر‭. ‬ومن‭ ‬يبرّر‭ ‬ويربط‭ ‬قسوته‭ ‬وأغلاطه‭ ‬بالآخرين،‭ ‬إنما‭ ‬يخلط‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬جبران‭ ‬خليل‭ ‬جبران‭ ‬“الفضيلة‭ ‬بالهوى”‭.‬

فأصحاب‭ ‬المبدأ‭ ‬الواحد،‭ ‬لا‭ ‬يميلون‭ ‬وإن‭ ‬مالت‭ ‬عليهم‭ ‬حوائط‭ ‬الدنيا،‭ ‬ولا‭ ‬يتغيّرون‭ ‬وإن‭ ‬تغيّر‭ ‬بهم‭ ‬الحال‭ ‬وضاق،‭ ‬ثابتون‭ ‬لأن‭ ‬بوصلتهم‭ ‬الداخلية،‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬مع‭ ‬الريح‭. ‬

لا‭ ‬نطلب‭ ‬منك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لطيفًا‭ ‬دومًا،‭ ‬بل‭ ‬عادلًا‭.. ‬ولا‭ ‬نختبرك‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الصفاء،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الاحتكاك،‭ ‬حين‭ ‬يعلو‭ ‬الصوت‭ ‬وتضيق‭ ‬المساحة‭ ‬ويُغري‭ ‬الغضب‭ ‬بالانفلات،‭ ‬فالأخلاق‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بجمال‭ ‬المنطوق‭ ‬وابتسامة‭ ‬الاستقبال،‭ ‬بل‭ ‬بعدل‭ ‬وإنصاف‭ ‬الأفعال،‭ ‬الأخلاق‭ ‬لا‭ ‬تختبر‭ ‬في‭ ‬فنون‭ ‬الخطابة‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬المواجهة،‭ ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬زينة‭ ‬نرتديها‭ ‬في‭ ‬حضور‭ ‬من‭ ‬نحب،‭ ‬ولا‭ ‬خطابًا‭ ‬نزيّنه‭ ‬عندما‭ ‬نحسن‭ ‬الظن‭ ‬بأنفسنا،‭ ‬بل‭ ‬التزامًا‭ ‬صامتًا‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يرانا‭ ‬أحد،‭ ‬وحين‭ ‬يكون‭ ‬سهلًا‭ ‬أن‭ ‬نبرّر،‭ ‬ونختار‭ ‬بدل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬ننصف،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬أرسطو‭: ‬“الاستقامة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فعل‭ ‬الإنسان‭ ‬واحدًا‭ ‬في‭ ‬الخلوة‭ ‬والعلن”‭.‬

 

كاتبة‭ ‬ومستشارة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬العامة‭ ‬وصناعة‭ ‬الصورة‭ ‬الذهنية