الحوكمة الطريق الاستراتيجي للإدارة الرشيدة والتنمية المستدامة

| د. نجيب الغربال

‭ ‬تُعَدُّ‭ ‬الحوكمة‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الركائز‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬الإدارة‭ ‬الحديثة،‭ ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬أداة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لضمان‭ ‬كفاءة‭ ‬المؤسسات‭ ‬واستدامتها،‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬ترف‭ ‬إداري‭. ‬فهي‭ ‬الإطار‭ ‬الذي‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف،‭ ‬ويعزز‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المؤسسة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬ويوفر‭ ‬آليات‭ ‬للرقابة‭ ‬والشفافية‭ ‬والمساءلة،‭ ‬وقد‭ ‬فرضت‭ ‬التغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتقنية‭ ‬العالمية‭ ‬واقعًا‭ ‬جديدًا،‭ ‬حيث‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬الحوكمة‭ ‬ضرورة‭ ‬لمواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬مثل‭ ‬الفساد‭ ‬وضعف‭ ‬الكفاءة،‭ ‬وكذلك‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬العولمة‭ ‬والتحول‭ ‬الرقمي‭ ‬والمنافسة‭ ‬المتزايدة‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬برزت‭ ‬الحوكمة‭ ‬كجسر‭ ‬حيوي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الإدارة‭ ‬الرشيدة‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة‭.‬

مبادئ‭ ‬الحوكمة

ترتكز‭ ‬الحوكمة‭ ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬وضعتها‭ ‬منظمات‭ ‬دولية‭ ‬رائدة‭ ‬مثل‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ ‬والبنك‭ ‬الدولي‭. ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬تأتي‭ ‬الشفافية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إتاحة‭ ‬المعلومات‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬ودوري‭. ‬يليها‭ ‬المساءلة‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬مسؤولية‭ ‬قراراته‭ ‬ونتائجه،‭ ‬ثم‭ ‬العدالة‭ ‬والمساواة‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬وعدم‭ ‬التمييز‭. ‬كما‭ ‬تُعنى‭ ‬الحوكمة‭ ‬بتحقيق‭ ‬الكفاءة‭ ‬والفعالية‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد،‭ ‬والالتزام‭ ‬الصارم‭ ‬بسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الاستجابة‭ ‬السريعة‭ ‬للمتغيرات‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭. ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬مجتمعة‭ ‬تشكل‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬الإدارة‭ ‬الرشيدة‭.‬

أهداف‭ ‬الحوكمة

وتسعى‭ ‬الحوكمة‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستدامة‭ ‬المؤسسية،‭ ‬وحماية‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬المساهمين‭ ‬والإدارة‭ ‬والموظفين‭ ‬والمجتمع‭. ‬كما‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد‭ ‬عبر‭ ‬تفعيل‭ ‬أنظمة‭ ‬رقابية‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين،‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬وتحسين‭ ‬عملية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬دقيقة‭ ‬وموضوعية‭.‬

الحوكمة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي

شهدت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تطورات‭ ‬لافتة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الحوكمة‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين‭. ‬ففي‭ ‬السعودية،‭ ‬جاءت‭ ‬القواعد‭ ‬متماشية‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬2030‭ ‬لتعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمارات‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الإمارات،‭ ‬فقد‭ ‬ارتبطت‭ ‬الحوكمة‭ ‬بالتحول‭ ‬الرقمي،‭ ‬لتصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭

وفي‭ ‬البحرين،‭ ‬أصدرت‭ ‬وزارة‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬مدونة‭ ‬متطورة‭ ‬لحوكمة‭ ‬الشركات،‭ ‬كما‭ ‬أطلق‭ ‬مصرف‭ ‬البحرين‭ ‬المركزي‭ ‬إطارًا‭ ‬رقابيًّا‭ ‬متكاملًا‭ ‬ضمن‭ ‬أنظمته‭ ‬التنظيمية‭. ‬وتؤكد‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬مجتمعة‭ ‬أن‭ ‬الحوكمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬خيارًا‭ ‬إداريًّا‭ ‬إضافيًّا،‭ ‬بل‭ ‬غدت‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬من‭ ‬ركائز‭ ‬الإصلاح‭ ‬المؤسسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

مثال‭ ‬من‭ ‬البحرين

تُعد‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬أولت‭ ‬اهتمامًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بالحوكمة‭. ‬فقد‭ ‬أسهمت‭ ‬التشريعات‭ ‬واللوائح‭ ‬الرقابية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬وتطوير‭ ‬أداء‭ ‬المؤسسات‭.‬

ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬البارزة‭ ‬بنك‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت،‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬“أفضل‭ ‬تقرير‭ ‬مطوّر‭ ‬للاستدامة‭ ‬البيئية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والحوكمة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط”‭ ‬خلال‭ ‬مؤتمر‭ ‬جمعية‭ ‬علاقات‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬مسقط‭. ‬وقد‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬التكريم‭ ‬بفضل‭ ‬تقرير‭ ‬الاستدامة‭ ‬للفترة‭ ‬2022‭ - ‬2024،‭ ‬الذي‭ ‬أبرز‭ ‬جهود‭ ‬البنك‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬انبعاثات‭ ‬الكربون،‭ ‬وتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬التمويل‭ ‬الأخضر،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استثماراته‭ ‬في‭ ‬رفاهية‭ ‬الموظفين‭ ‬وتنمية‭ ‬المجتمع‭ ‬وتمكين‭ ‬الشباب‭. ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬يعكس‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للحوكمة‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬لوائح‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬مؤسسية‭ ‬تعزز‭ ‬الثقة‭ ‬وتدعم‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭.‬

التحديات‭ ‬القائمة

رغم‭ ‬التقدم‭ ‬الكبير،‭ ‬مازالت‭ ‬هناك‭ ‬تحديات‭ ‬تواجه‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬أبرزها‭ ‬ضعف‭ ‬الثقافة‭ ‬المؤسسية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحوكمة،‭ ‬ومقاومة‭ ‬بعض‭ ‬القيادات‭ ‬للتغيير،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬الكفاءات‭ ‬المتخصصة‭ ‬ومحدودية‭ ‬الأنظمة‭ ‬التقنية‭ ‬الداعمة‭ ‬للإفصاح‭.‬

آفاق‭ ‬المستقبل

تتجه‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬نحو‭ ‬مرحلة‭ ‬أكثر‭ ‬نضجًا،‭ ‬حيث‭ ‬تتكامل‭ ‬التشريعات‭ ‬التقليدية‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الرقمية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬الآفاق‭ ‬المستقبلية‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

‭- ‬تعزيز‭ ‬الحوكمة‭ ‬الرقمية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منصات‭ ‬ذكية‭ ‬للإفصاح‭ ‬ودعم‭ ‬القرار‭.‬

‭- ‬ربط‭ ‬الحوكمة‭ ‬بالابتكار‭ ‬لضمان‭ ‬استدامة‭ ‬المؤسسات‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭.‬

‭- ‬وضع‭ ‬معايير‭ ‬خليجية‭ ‬موحدة‭ ‬تعزز‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬وتُسهّل‭ ‬حركة‭ ‬الاستثمارات‭.‬

‭- ‬اعتماد‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الفرص‭ ‬وتعزيز‭ ‬مشاركة‭ ‬المرأة‭ ‬والشباب‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭.‬

وفي‭ ‬الختام،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬خيارًا‭ ‬إضافيًّا،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لبناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬قوية‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭. ‬وتؤكد‭ ‬التجارب‭ ‬العملية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬التجربة‭ ‬الحالية‭ ‬لبنك‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وحكومية‭ ‬أخرى،‭ ‬أن‭ ‬الحوكمة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الشفافية‭ ‬وتعزيز‭ ‬التنافسية‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمارات‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬دور‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬والتشريعية‭ ‬يبقى‭ ‬أساسيًّا‭ ‬ويشكّل‭ ‬المرتكز‭ ‬الرئيس‭ ‬لضمان‭ ‬استدامة‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬وبناء‭ ‬اقتصادات‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا‭ ‬ومجتمعات‭ ‬أكثر‭ ‬ثقة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

أكاديمي‭ ‬بحريني