الأدوية المغشوشة (1)

| د.سيد محمود القلاف

‭ ‬ينص‭ ‬قانون‭ ‬الصيدلة‭ ‬البحريني‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬1997‭ ‬في‭ ‬مادته‭ ‬رقم‭ ‬57‭ ‬والتي‭ ‬عدلت‭ ‬بموجب‭ ‬المرسوم‭ ‬بقانون‭ ‬رقم‭ ‬20‭/‬‏2016،‭ ‬حول‭ ‬استيراد‭ ‬وتصدير‭ ‬وتسويق‭ ‬الأدوية‭ ‬والمستحضرات‭ ‬الصيدلية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يلي‭: ‬“باستثناء‭ ‬المنشآت‭ ‬الدوائية،‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬استيراد‭ ‬الأدوية‭ ‬والمستحضرات‭ ‬الصيدلية‭ ‬–‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬عينات‭ ‬طبية‭ ‬مجانية‭ ‬–‭ ‬إلا‭ ‬بواسطة‭ ‬المراكز‭ ‬الصيدلية،‭ ‬وبشرط‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ترخيص‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬الهيئة‭ (‬الهيئة‭ ‬الوطنية‭ ‬لتنظيم‭ ‬المهن‭ ‬والخدمات‭ ‬الصحية‭)‬،‭ ‬وفقًا‭ ‬للشروط‭ ‬والإجراءات‭ ‬التي‭ ‬يصدر‭ ‬بتحديدها‭ ‬قرار‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭. ‬ويجب‭ ‬على‭ ‬المركز‭ ‬الصيدلي‭ ‬المستورد‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬إلى‭ ‬الهيئة‭ ‬كافة‭ ‬البيانات‭ ‬عن‭ ‬نوع‭ ‬وكمية‭ ‬الأدوية‭ ‬أو‭ ‬المستحضرات‭ ‬الصيدلية‭ ‬المطلوب‭ ‬استيرادها،‭ ‬أو‭ ‬أية‭ ‬بيانات‭ ‬أخرى‭ ‬تحددها‭ ‬الجهة‭ ‬المختصة‭ ‬بالهيئة”‭. ‬كما‭ ‬ينص‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬مادته‭ ‬رقم‭ ‬95‭ ‬على‭ ‬أنه‭: ‬“يعاقب‭ ‬بالحبس‭ ‬مدة‭ ‬ﻻ‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬شهر‭ ‬وبغرامة‭ ‬ﻻ‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬ثلاثمئة‭ ‬دينار‭ ‬أو‭ ‬بإحدى‭ ‬هاتين‭ ‬العقوبتين‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬حاز‭ ‬أو‭ ‬عرض‭ ‬بقصد‭ ‬البيع‭ ‬أدوية‭ ‬أو‭ ‬مستحضرات‭ ‬صيدلية‭ ‬غير‭ ‬مسجلة‭ ‬بدفاتر‭ ‬وسجلات‭ ‬الهيئة”‭. ‬ويشمل‭ ‬القانون‭ ‬الأدوية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬استيرادها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الوكيل‭ ‬المعتمد‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬مسجلة‭ ‬لدى‭ ‬الهيئة‭. ‬والسؤال‭ ‬الواجب‭ ‬طرحه‭ ‬هنا‭ ‬“لماذا‭ ‬التشديد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن،‭ ‬ولماذا‭ ‬ﻻ‭ ‬يتم‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬ﻻستيراد‭ ‬الأدوية‭ ‬لمن‭ ‬يرغب‭ ‬مادام‭ ‬حاصلًا‭ ‬على‭ ‬رخصة‭ ‬منشأة‭ ‬صيدﻻنية‭ ‬أو‭ ‬صحية”،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬بأن‭ ‬قوانين‭ ‬الصيدلة‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الدول‭ ‬تشدد‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬استيراد‭ ‬الأشدوية‭ ‬بدون‭ ‬ترخيص‭.‬

عندما‭ ‬قام‭ ‬العاملون‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الصيدلة‭ ‬بوضع‭ ‬قانون‭ ‬الصيدلة‭ ‬ومناقشته‭ ‬قبل‭ ‬إقراره،‭ ‬خصوصًا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بموضوع‭ ‬استيراد‭ ‬الأدوية‭ ‬كانت‭ ‬أعينهم‭ ‬وشغلهم‭ ‬الشاغل‭ ‬منع‭ ‬تسرب‭ ‬الأدوية‭ ‬المغشوشة‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭. ‬هذا‭ ‬الخطر‭ ‬أو‭ ‬التهديد‭ ‬الخفي‭ ‬قد‭ ‬تفشى‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬ولكن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ولله‭ ‬الحمد‭ ‬خالية‭ ‬منه‭ ‬ولم‭ ‬نسمع‭ ‬بوجود‭ ‬أدوية‭ ‬مغشوشة‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬تاريخها‭ ‬الحديث.

نعم‭ ‬قد‭ ‬يقوم‭ ‬مفتشو‭ ‬الهيئة‭ ‬بضبط‭ ‬ومصادرة‭ ‬أدوية‭ ‬غير‭ ‬مسجلة‭ ‬بسجلات‭ ‬الهيئة‭ ‬ولكنها‭ ‬غالبًا‭ ‬غير‭ ‬مغشوشة‭.‬

تُمثّل‭ ‬الأدوية‭ ‬المغشوشة‭ ‬تيارًا‭ ‬خفيًّا‭ ‬مظلمًا‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬العالمي،‭ ‬وهي‭ ‬تجارة‭ ‬سرية‭ ‬تُعرّض‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬للخطر،‭ ‬وتقوض‭ ‬الثقة‭ ‬بالأنظمة‭ ‬الصحية،‭ ‬وتُلحق‭ ‬أضرارًا‭ ‬اقتصادية‭ ‬جسيمة‭ ‬بالدول‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬كونها‭ ‬جريمة‭ ‬شنيعة‭ ‬لا‭ ‬تغتفر،‭ ‬فإن‭ ‬انتشار‭ ‬الأدوية‭ ‬المغشوشة‭ ‬يُشكّل‭ ‬تهديدًا‭ ‬وجوديًّا،‭ ‬حيث‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تحول‭ ‬الأدوية‭ ‬المغشوشة‭ ‬العلاجات‭ ‬المنقذة‭ ‬لحياة‭ ‬المرضى‭ ‬إلى‭ ‬سموم‭ ‬قاتلة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الأحوال‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الأدوية‭ ‬المغشوشة‭ ‬عقاقير‭ ‬خاملة‭ ‬ﻻ‭ ‬فائدة‭ ‬ترتجى‭ ‬منها‭. ‬إن‭ ‬فهم‭ ‬الطبيعة‭ ‬متعددة‭ ‬الأوجه‭ ‬لهذه‭ ‬الأزمة‭ - ‬مخاطرها،‭ ‬وتداعياتها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والجهود‭ ‬المعقدة‭ ‬لمكافحتها‭ - ‬أمر‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬رفاهية‭ ‬المجتمع‭.‬

وتُعرِّف‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ (‬WHO‭) ‬الأدوية‭ ‬المغشوشة‭ ‬بأنها‭ ‬“أدوية‭ ‬يتم‭ ‬التلاعب‭ ‬بهويتها‭ ‬أو‭ ‬مصدرها‭ ‬عمدًا‭ ‬وبطريقة‭ ‬احتيالية”،‭ ‬وتتراوح‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬من‭ ‬أدوية‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬جرعات‭ ‬خاطئة‭ ‬من‭ ‬المكونات‭ ‬الفعالة‭ ‬إلى‭ ‬بدائل‭ ‬سامة‭ ‬مثل‭ ‬الدهان‭ ‬أو‭ ‬الزئبق‭ ‬أو‭ ‬المذيبات‭ ‬الصناعية‭. ‬

تشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ % ‬من‭ ‬الأدوية‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬منخفضة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬الدخل‭ ‬أدوية‭ ‬رديئة‭ ‬أو‭ ‬مغشوشة،‭ ‬وترتفع‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬50‭ % ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬غرب‭ ‬آسيا‭ ‬وأجزاء‭ ‬من‭ ‬أفريقيا‭. ‬ويجب‭ ‬التنويه‭ ‬هنا‭ ‬بأن‭ ‬الأدوية‭ ‬الرديئة‭ ‬هي‭ ‬“منتجات‭ ‬مشروعة‭ ‬لا‭ ‬تلبي‭ ‬معايير‭ ‬الجودة‭ ‬بسبب‭ ‬التصنيع‭ ‬أو‭ ‬التخزين‭ ‬الرديء‭ ‬أو‭ ‬تزوير‭ ‬تاريخ‭ ‬انتهاء‭ ‬الصلاحية”‭.‬

ينبع‭ ‬انتشار‭ ‬الأدوية‭ ‬المغشوشة‭ ‬من‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬متشابكة‭. ‬ففجوات‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬التكاليف‭ ‬بسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأدوية‭ ‬ونقصها‭ ‬يدفعان‭ ‬لخيارات‭ ‬يائسة‭ ‬مثل‭ ‬شراء‭ ‬أدوية‭ ‬منخفضة‭ ‬الجودة‭ ‬أو‭ ‬مغشوشة‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬ضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬ومحدودية‭ ‬الإشراف‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تسمح‭ ‬بتسلل‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات،‭ ‬حيث‭ ‬تقدر‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬أن‭ ‬20‭ % ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬فيها‭ ‬لديها‭ ‬هيئات‭ ‬تنظيمية‭ ‬للأدوية‭ ‬ذات‭ ‬معايير‭ ‬غير‭ ‬جيدة‭. ‬كما‭ ‬تشكل‭ ‬هوامش‭ ‬الربح‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬الاتجار‭ ‬بالمخدرات‭ ‬إغراء‭ ‬كبيرًا‭ ‬للبدء‭ ‬واﻻستمرار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النشاط‭. ‬كذلك‭ ‬فإن‭ ‬التوسع‭ ‬الرقمي‭ ‬قد‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ازدهار‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭ ‬حيث‭ ‬تروج‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬اﻻجتماعي‭ ‬مثل‭ ‬التيك‭ ‬توك‭ ‬والإنستغرام‭ ‬لأدوية‭ ‬التخسيس‭ ‬أو‭ ‬المنشطات‭ ‬أو‭ ‬المضادات‭ ‬الحيوية‭ ‬المغشوشة‭ ‬بأسعار‭ ‬تبدو‭ ‬شديدة‭ ‬الإغراء‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬الفوائد‭ ‬المنسوبة‭ ‬لها‭.‬

 

أكاديمي‭ ‬وعضو‭ ‬مؤسس‭ ‬بجمعية‭ ‬الصيادلة‭ ‬البحرينية