يا محرق شدعوة.. أسماء تُخلّد وأخرى تُمحى
| فاطمة عادل سند
مايك وكاميرا و”قام الشوط”.. فيديو في برامج التواصل الاجتماعي يستعرض أوائل العمارات في المحرق: عمارة متعدّدة الطوابق، حوت أول مصعد كهربائي.. وما يشكّله ذلك من جدّة وندرة في ذلك الوقت! تقع قبالة أوّل مسجد في المحرق “بو منارتين”.. وهكذا يسترسل صاحب الفيديو في وصف دقيق لهذه العمارة بوصفها واحدة من المعالم التاريخيّة الفريدة.. لكن ربط صاحب التقرير المصوّر هذه البناية باسم أحد المستأجرين لأحد المتاجر فيها تاركًا المشاهد في لغط حول نسبة هذه العمارة لأصحابها الحقيقيّين.. مع كامل الاحترام والتقدير لهؤلاء التجار المستأجرين فيها.
ولتصحيح هذا الخطأ في التأريخ لمعالم المحرق، فإنّ ملكية العمارة متعددة الطوابق ذات أوّل مصعد في المحرق تعود إلى المرحومين بإذن الله تعالى جاسم وسند أبناء محمد سند، وهي تقع بالقرب من منزلهم المقابل للمسجد، وهناك أيضًا يقع مجلسهم الذي شرّفه حضور المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه، والذي يؤصل تلاحم القيادة مع الشعب وقربها منهم وتقدير أصحاب المجلس؛ فقد كان الحاج جاسم بن محمد بن سند عضوًا في المجلس البلدي الذي ترأسه صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه.
وأمّا مسجد بومنارتين الذي كان ولا يزال الـ “نيشان” الأبرز في المحرق؛ فهو جامع مبارك بن سلطان آل بنعلي، وبُنِيَ عام 1259ه الموافق 1843م، وتمّت إعادة بنائه وتجديده على يد الوجيه جاسم وأخيه سند أبناء محمد سند وغيرهما من أهل الخير.. وتمّ جلب النقّاشين من الهند ليظهر في حلّته الأصيلة المميّزة ذات المنارتين.
كما تعود إلى جاسم وسند أبناء محمد سند ملكيّة الأرض التي بُنيت عليها المواقف متعدّدة الطوابق بالقرب من عمارة بن مطر لخدمة مسار اللؤلؤ، وعدّة أراضٍ أخرى استملكت، ومن ثمّ حوّلت إلى ساحات أو مواقف أو استراحات تخدم زوّار مسار اللؤلؤ وتساهم في نجاحه.. دون أن يتمّ ذكر أصحاب الأرض على إحدى تلك المساحات تكريمًا لجهودهم ومسيرتهم في الوطن كأوائل التجار في العقارات “الدلالة، وصنع الرخام، ومصانع المشروبات الغازية، والأقمشة” وغيرها من الجهود والمواقف الوطنية. لا يختلف اثنان فيما حقّقته ليالي المحرق من نجاح باهر عبر إحيائها معالم العاصمة التاريخية للبحرين، لكنّ التاريخ لا ينحصر في مبان وصور وآثار قديمة.. إنّما التاريخ، كلّ التاريخ في سِيَر مَن عَمروها وكانت لهم إسهامات جلية في بناء معالم المدينة وإعلاء صورة الوطن والولاء لقياداته جيلا بعد جيل.
لقد استنفرت فعالية )ليالي المحرق) جهود الكثيرين للتوثيق والنشر، وقد فتح الإعلام الرقمي آفاقًا ميسّرة لمن يعلم ومن لا يعلم لأن يؤرّخ.
إحياء مدينة المحرق يفرض علينا جميعًا - كل من موقع مسؤوليّته: مجالس البلديات والمحافظة، وزارة الأشغال وشؤون البلديات والتخطيط العمراني، اللجنة الوزارية المعنية بتسمية المدن والشوارع، والجهات ذات الصلة بالهوية والتراث... استكمال مسيرة التوثيق، كي لا يأتي يوم نقول فيه بحسرة “محدن عرفني فيج يا محرق.. شدعوة”.
كاتبة بحرينية وباحثة قانونية