ميراث أم خنجر في الظهر؟
| إبراهيم النهام
لا تُختبر النفوس كما تُختبر عند المال، ولا تنكشف الأقنعة كما تنكشف عند تقسيم الورث. ففي اللحظة التي يُفترض أن تسود فيها الرحمة وصلة الرحم، يطلّ الغدر برأسه أحيانًا، ويتحوّل الإرث من نعمةٍ جامعة إلى شرخٍ عميق يُمزّق العائلة، ويترك جراحًا لا تندمل بسهولة.
مشاكل الورث ليست أرقامًا أو صكوكًا فقط، بل صراع قيم، واختبار أخلاق، ومرآة حقيقية لما في القلوب.
كم من إخوة فرّقتهم قطعة أرض، وكم من أختٍ أُقصيت باسم “العرف”، وكم من قريبٍ تحوّل إلى خصمٍ شرس لأن المال غلّب المودة. هنا لا يكون الخلاف على الممتلكات بقدر ما يكون على العدالة، والإنصاف، والوفاء لذكرى من رحل.
ويكفي أن نتأمل قول الأديب الروسي ليو تولستوي: “حيث يوجد المال، تقلّ الفضيلة”، لنفهم لماذا تتبدّل الطباع عند تقسيم التركة.
بينما يذكّرنا الفيلسوف أرسطو بأن الظلم لا يكمن في القوانين، بل في النفوس التي تلتف حولها. أما نجيب محفوظ فعبّر بعمق حين أشار إلى أن الطمع “يُعمي البصيرة قبل أن يُفسد الضمير”.
الغدر في قضايا الورث لا يسرق المال فقط، بل يسرق الطمأنينة، ويهدم تاريخًا من العِشرة، ويزرع الكراهية بين أبناء الدم الواحد، والأسوأ أن بعض هذه القضايا تستمر سنوات في المحاكم، بينما الخاسر الحقيقي هو العائلة، وسمعتها، وروابطها الإنسانية.
الحل لا يكون بالقانون وحده، رغم أهميته، بل بالضمير الحي، وبالعودة إلى القيم الدينية والإنسانية التي تجعل العدل فوق المكاسب، وصلة الرحم فوق كل اعتبار، فالميراث مالٌ زائل، والعدل وحده هو الإرث الذي لا يصدأ.
* كاتب وإعلامي بحريني