عقول في مهب الشاشات: “المستطيل البارد” يغتال وهج العبقرية
| ياسر سليم
بصوت يملؤه الانكسار، وبعينين تائهتين كمن فقد بوصلة الطريق في ليلة ليلاء، وقفت تلك الشابة الثلاثينية أمام عدستها لترثي نفسها، وتروي مأساتها للملايين عبر يوتيوب. لم تكن تبكي فقدا ماديا، بل كانت ترثي “عقلا” كان يوما ما يتوهج ذكاء، وبصيرة كادت تلامس آفاق العبقرية، وهي المتخصصة في علم الأعصاب، التي تدرك جيدا خبايا التشابكات العصبية، تجد نفسها اليوم تقف مذهولة أمام فيديوهات قديمة لها، وكأنها تشاهد غريبا يسكن جسدها؛ غريبا كان ينطق بالدرر، وينسج من المفردات تيجانا من الفصاحة، ويخوض غمار المناقشات الفلسفية المعقدة بيسر مذهل. الخرف الاختياري: هل نبيعُ عقولنا مقابل “تمريرة” إصبع؟ تصف حالتها اليوم بعبارة تزلزل الكيان: “أشعر وكأنني فلاح بسيط يقف مذهولا أمام آينشتاين”. هذا التدهور لم يكن وليد صدفة، بل هو نتيجة استسلام كامل لسلطة “شاشات الهواتف والحواسيبب”. لم يعد العقل ذلك المحرك الذي يغوص في بطون الكتب، بل أصبح مجرد متلق سلبي يقتات على فتات الفيديوهات القصيرة “تيك توك”، التي تسلب المرء قدرته على التركيز، وتفتت انتباهه إلى شظايا متناثرة. إن ما نمر به اليوم ليس مجرد “تعب”، بل هو ما يطلق عليه المتخصصون في صمتهم “الخرف الرقمي”. وكشفت دراسات حديثة عن أن أجيال العشرينات والثلاثينات بدأت تظهر عليهم أعراض اضطراب الذاكرة والتركيز، والسبب ليس تلفا عضويا مفاجئا، بل هو “الخمول الفكري القسري”. إن الذكاء ليس هبة أبدية، بل هو “عضلة” تضمر إذا كففنا عن تمرينها، وتذبل إذا استبدلنا القراءة الواعية بالتصفح الأرعن. ضريبة الرفاهية: لسان يتلعثم وعقل يستقيل لم تكن تلك الفتاة وحدها في هذه الحفرة، فخلف شاشاتها جيوش من النادمين. هذا يحكي عن ذاكرة ثقبتها الخوارزميات، وتلك تشكو تلعثما مفاجئا في لسانها بعد سنوات من الانغماس في العالم الرقمي. الطلاب الذين كانوا وقود المستقبل، باتوا اليوم عاجزين عن الصمود أمام صفحة كتاب واحدة، يتوقون لزمن لم تكن فيه الشاشات جدارا عازلا بينهم وبين أحلامهم. والأدهى من ذلك، هو ظهور “الذكاء الاصطناعي” الذي جاء ليتمم المهمة؛ فبدلا من أن يكون أداة للارتقاء، اتخذه البعض “عكازا” لعقولهم، فاستقالت الألسنة عن التعبير، وانطفأت شرارة الإبداع، وأصبحنا نرى بشرا يتحدثون بلغة الآلة، باردة وباهتة. صرخة إلى “حرّاس الطفولة”
بينما يدرك المتخصصون فداحة الموقف، نجد معركة أخرى في بيوتنا. أمهات يتخذن من الهواتف “مربيات” لأطفالهن، غير مدركات أن هذه الشاشات هي معاول هدم لمخيلة لم تكتمل بعد، وقتل لذكاء في طور التكوين. إن الطفل الذي ينمو بين خوارزميات الضوء الصاخب، هو طفل يُحرم من متعة الاكتشاف، ومن صلابة التفكير المنطقي.
الاسترداد قبل الارتطام
إن الذكاء ممارسة، والفصاحة تدريب، والتركيز جهاد يومي. إن استعادة عقولنا تبدأ بالاعتراف بأننا في خطر، وبأن تلك الشاشات، برغم بريقها، قد تكون “ثقبا أسود” يبتلع وعينا. إننا بحاجة إلى ثورة “صيام رقمي”، نعود فيها إلى الكتاب، وإلى الحوار الحي، وإلى إعمال الفكر في معضلات الوجود، قبل أن نستيقظ يوما لنجد أننا فقدنا أغلى ما نملك: إنسانيتنا المفكرة.