عام اقتصادي جديد!

| أسامة مهران

 يُخطئ من يظن أن عِلم الاقتصاد هو أب شرعي لجميع الأرقام، هو الباحث عن هويته وشخصيته ما بين جداول البيانات، وأحوال الموازنات، ونتائج الأعمال المالية للمؤسسات. عِلم الاقتصاد ليس عِلمًا مستقلًّا بأدبياته المجردة رغم تميزه، وليس عشًّا لإخفاء حالات غير اقتصادية تحمل عنوانًا اقتصاديًّا، لكنه عِلمًا اجتماعيًّا بامتياز، أحد أدبياته المحاكاة مع جموع الناس، مع همومهم وأضغاث أحلامهم، مع طموحاتهم وأولوياتهم في المعيشة – مأكل ومسكن ومشرب وتعليم وعلاج وخلافه – وهو الذي يتحدث دائمًا بلهجة يتقنها جموع الشعب، ولا تعكسها بالضرورة فئة قليلة من ذوات الأحجام الكبيرة. من هنا، كان لابد أن نتحدث عن الاقتصاد بلغة الناس، عن أسعار البترول بانعكاساتها على مستويات معيشتهم، وعن الفائدة المصرفية وآثارها على معدلات التضخم والقوة الشرائية للعملة الوطنية، وعن الاستثمار وأبعاده وتداخلاته مع فرص العمل وتوفر السلع في الأسواق، وجودة المنتجات المطروحة فيها. لذا، ونحن نستقبل عام ميلادي جديد، كان لابد لنا من الحديث عن المستقبل، ماذا سيحدث يا ترى لقوة الدينار وهو يواجه مديونيات صعبة، ووفاءً بالتزامات ضرورية، والتزامًا بخدمة دين على أقساط شهرية أو سنوية؟ كان لابد من العودة إلى ملفات التوازن المالي في مملكة البحرين وعلاقته برؤية القيادة 2030 - 2050، بل وصلته المباشرة بالنماء المستدام، والتنافسية وأحوال المؤسسات والشركات، ومستقبل صناعات التكرير والصناعة التحويلية، والصرف على البحث العلمي. كل ذلك وأكثر، كان لابد لنا من إعادة تشكيله ورسم ملامح هيئته ونحن نواجه عامًا صعبًا على مستوى الاقتصاد العالمي، عام نشهد فيه تذبذبات في أسعار الفائدة، ما بين رئيس فيدرالي راحل وهو كولن باول، ورئيس جمهوري قادم في عهد الرئيس الأميركي المغامر دونالد ترامب. كان لابد أيضًا أن ننظر حولنا على طريقة الشعوب التي تحدد النسل، وتلك التي لا يجب أن يتجاوز سكانها الحدود الحرجة لتكاليف الحياة، ومستويات الأجور، ومعدل الحصول على الخدمات التعليمية والصحية وغيرها. كان لابد كذلك أن نقتفي أثر السنوات السابقة لعام 2026 وإذا ما كان ذلك العام يمشي على خُطى 2025، أم أن في الأفق شيئًا آخر. لذا كان يجب التحذير، وكان ينبغي التفكير خارج الصندوق مثلما يبشر دائمًا خبيرنا الاقتصادي المعروف الدكتور فوزي بهزاد، لكن أي صندوق ذلك الذي يجب أن نفكر من خارجه، وأي خارج ذلك الذي يجب أن نستخلص منه العِبر و”خفة الحركة” لكي نصعد باقتصادنا الوطني إلى الهدف المنشود؟ رأيي أننا يجب أن نفكر من داخل الصندوق، وأن ننطلق مما هو بالفعل تحت أيدينا، لا نخترع العجلة أو نعيد اختراعها، لا نغرد خارج السرب ومن ثم نجد أنفسنا بعيدًا عن مدرج الهبوط، المهم أن نبدأ من حيث انتهينا أو انتهى الآخرون، ولذلك بات لزامًا علينا أن نفتح الصندوق، وأن نبحث فيه عن حجم الفرص الضائعة، وعن هدر الثروات المتاحة، بل وعن قدرات الموارد البشرية وتخليق القيمة المضافة من قلب هذه الفرص “غير المأسوف عليها”. لقد علمتنا الحياة كيف نحول المشكلات إلى مشاريع، والنفايات إلى منتجات صالحة لاستخدام الكائنات، على هذه القاعدة يمكننا الحديث عن الحلول ما بين “أرض الميعاد” و”أرض الأجداد”، أرض الميعاد على طريقتنا الخاصة وليست ما تنبأ بها تلمود، تمامًا مثلما ليست هي ما جاء في العهد القديم من أسفار، وفي العهد الجديد من “دعوات متعددة على العشاء”، الواقع هو الذي يفرض كلمته على واقعنا الاقتصادي المتقاطع مع واقع التاريخ.

لذلك، كان لابد من التعرض بالتحليل لكيفية تحويل العجوزات إلى فوائض، والأزمات إلى مشاريع وفرص، والديون إلى أعلى سقف للاستخدام والتوظيف، وليس أقل مستوى من التعاطي والتحريف، هو ما يدفعني شخصيًّا إلى التحليل قبل التأصيل، وإلى الوقوف على محطة خالية من “الاستعجال”، لأن “في العجلة الندامة”، وهو ما يجعلني أكثر تفاعلاً مع الحكمة القائلة: “لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد”، إلا لو كانت الحلول واضحة، والتوازنات على مقربة من المشكلات، وليست طافية فوق مياه راكدة.

يتبع...