ذاكرة السياحة البحرينية

| د.حورية الديري

 أصبحت السياحة في البحرين تعكس هوية المدن وروح المجتمع قبل أن تكون نشاطًا اقتصاديًّا.. ففي كل شارع وأزقة تاريخية ذاكرة أجيال، وفي كل تجربة للزائر تقاطع مع حياة المواطنين اليومية، وباتت مسؤولية تعزيز السياحة في إدارة هذه الذاكرة بعقلية معاصرة وتحويلها إلى رابط حي بين الماضي والحاضر والمستقبل، بحيث تصبح المدن أكثر من وجهة للزيارة، وتتحول إلى تجربة متكاملة للأجيال القادمة. ولدينا ولله الحمد دليل شاهد من مدن البحرين “المحرق والمنامة” نشأت كفضاءات حياة أنتجت أنماطًا من السلوك والعمل والاحتفال. والحقيقة تشهد بأن استعادة هذه المدن اليوم عبر مبادرات ثقافية معاصرة، أظهرت القيمة الحقيقية في قدرة التجربة على إعادة وصل المواطن بمكانه ومنحه شعورًا بالاستمرارية، وربط النشاط السياحي بسردية وطنية تمتد للأجيال القادمة. “ليالي المحرق” تمثل نموذجًا حيًّا لهذا التوجه، الأزقة والبيوت القديمة والموسيقى والحكايات الشفوية تحولت إلى عناصر سرد حضري، أشعرت المواطن من خلالها بحضور تاريخه في الحاضر، بينما أدرك الزائر أن ما يراه نابع من حياة اجتماعية حقيقية، وليس مجرد عرض شكلي. هذا النوع من السياحة يحافظ على المعنى ويحوّل كل تجربة إلى جسر بين الحاضر والذاكرة. وفي المنامة، تأتي التجربة السياحية من روح المدينة نفسها.. “هوى المنامة” إذ يتشكل من الأسواق والمرافئ والمقاهي والمساحات العامة التي صنعت ثقافة الانفتاح والتعدد.. إن إدارتها بوعي ثقافي حوّل المدينة إلى نموذج حضري ومساحة إنسانية لها خصوصية مخاطبة الحاضر وإلهام الأجيال المقبلة، وجعلت من المواطن هنا محورًا للتجربة.. فحين يُقدّم تاريخه ومجتمعه باحترام ووعي، يتحوّل من متلقٍ إلى حامل للذاكرة وضامن لاستمراريتها.. وعندما يشهد الجيل الجديد مدنه قد عُرضت بصدق، تتعمّق لديهم قيم الانتماء والمسؤولية المجتمعية، لتصبح جزءًا من سلوكهم اليومي. لذلك، فإن المستقبل السياحي للبحرين يرتبط بقدرتها على إدارة هذا التراكم الزمني بذكاء.. لأن السياحة التي تُدار بعقلية معاصرة، وتحترم الإنسان وتستثمر الذاكرة، تصبح رافعة اقتصادية وثقافية واجتماعية في آن واحد، وتربط الماضي بالحاضر، وتمنح الأجيال القادمة شعورًا بأن ما ترثه ليس مجرد مبانٍ، إنما هوية حيّة قابلة للتجدد والنمو.

كاتبة وأكاديمية بحرينية