إيران.. بين المرونة وتصريحات ترامب
| أحمد جعفر
أبدت إيران على غير عادتها، ردة فعل أقل حدة نسبيًّا في مواجهة موجة احتجاجات جديدة بدأت من سوق طهران وامتدت لمدن أخرى في البلاد. ورغم سقوط قتلى في هذه التظاهرات الجديدة التي لا تزال في بدايتها، فإن الرئيس الإيراني الإصلاحي مسعود بزكشيان صرح موجهًا كلامه لحكومته بأن “الناس غير راضية ونحن أخطأنا وليس علينا تحميل أميركا المسؤولية”، بعدما اجتمع في ذات الوقت، مع ممثلين عن التجار الذين أشعلوا شرارة هذه المظاهرات. وبعد سنوات من التعامل الأمني الصارم والعنيف مع أي حراك شعبي، بدت السلطات الإيرانية هذه المرة أكثر مرونة وحذرًا في إدارتها المشهد، ما يعكس حقيقة واضحة: النظام يعيش أضعف لحظاته منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979. هذا الحذر لم يأتِ من مراجعة فكرية نقدية للذات بقدر ما جاء من خيارات محدودة تفرضها معادلة البقاء. وخلال الأشهر الماضية، غضت السلطات الطرف عن مظاهر كانت تعتبر سابقًا خطوطًا حمراء لدى النظام الإسلامي، مثل عدم الالتزام بالحجاب لدى بعض النساء أو عزف الموسيقى في الشوارع العامة، بل حتى فعاليات رياضية كسباق ماراثون شاركت فيه نساء وهي ترتدي الملابس القصيرة. هذه المشاهد تعكس تسامحًا قد يكون مؤقتًا للنظام الثيوقراطي عن صرامته الآيديولوجية المعتادة، لا احترامًا للحريات الفردية، ولكنه يمثل تركيزًا على أولوية الاستمرار القصوى حاليًّا. ويعاني النظام الإيراني من تدهور اقتصادي حاد وتضخم غير مسبوق نتيجة العقوبات الغربية وسوء الإدارة، وتضاف إلى ذلك تداعيات حرب الاثنى عشر يومًا في يونيو الماضي، التي خرجت منها طهران خاسرة ورقة تفاوض مركزية تمثلت في برنامجها النووي. وفي هذا الإطار، فإن التعامل الأمني الصارم مع الحراك الحالي مخاطرة وجودية قد لا يحتملها النظام، لكن كل الحسابات الداخلية بعد اندلاع الاحتجاجات تعقدت فجأة مع دخول أميركا على الخط. إن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين لوح بإمكانية التدخل العسكري إذا ما استخدمت طهران القوة المفرطة ضد المتظاهرين، تضع واشنطن في موقف استراتيجي بالغ الحساسية والخطورة. وإذا ما افترضنا أن النظام الإيراني سيقاتل من أجل بقائه باستخدام القوة المفرطة لقمع المظاهرات، فإن عدم ترجمة هذه التصريحات الأميركية إلى أفعال سيشكل ضربة قاسية للاحتجاجات الحالية، وربما لأي حراك مستقبلي داخل إيران، وسط معاناة المعارضة في الخارج من الانقسامات. في المقابل، فإن خيار واشنطن بدعم المحتجين بالقوة الصلبة يفتح الباب على سيناريوهات خطيرة، تتمثل في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية تمتد تبعاتها لدول المنطقة مع التهديد الإيراني باستهداف المصالح الأميركية بالمنطقة حال نفذ ترامب وعوده. والأسوأ من ذلك، أن النظام الإيراني سيستثمر تصريحات الرئيس الأميركي التي كتبها عبر منصته “تروث سوشال” ليؤكد روايته التقليدية حول “المؤامرة الخارجية”، ويستخدمها كذريعة لتشديد القمع وتوسيع استخدام القوة تحت شعار حماية السيادة ومواجهة التدخل الأجنبي، ما قد يؤدي إلى نتائج معاكسة تمامًا لما أراده المحتجون. الخلاصة أن الرئيس ترامب أطلق تصريحًا جريئًا من حيث الشكل، لكنه غير محسوب بدقة من حيث المضمون، ومحفوف بالمخاطر من حيث النتائج المحتملة؛ فالتصريحات الكبرى في ملفات شديدة التعقيد كإيران لا تكون بلا ثمن، وإذا لم تكن مدعومة باستراتيجية واضحة وقابلة للتنفيذ، فقد تنقلب من ورقة ضغط على النظام إلى عبء يدفع ثمنه المحتجون الإيرانيون أولًا وربما المنطقة بأسرها لاحقًا.
كاتب بحريني