صراع الفلسفات، نزاعات الاقتصاد، وسباق الجيوسياسة (2 - 3)

الانقسام العالمي حول الذكاء الاصطناعي

| عبيدلي العبيدلي

تتمحور‭ ‬الفكرة‭ ‬المركزية‭ ‬للمؤيدين‭ ‬لإيجابية‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كونه‭ ‬المحرك‭ ‬الأساس‭ ‬لتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭. ‬إذ‭ ‬تقدر‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية‭ ‬الحلية‭ ‬لمكونات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الرئيسة‭ ‬بنحو‭ ‬15‭.‬7‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬نسبة‭ ‬الزيادة‭ ‬المتوقعة‭ ‬في‭ ‬الناتج‭ ‬العالمي‭ ‬العام‭ ‬بحلول‭ ‬العام‭ ‬2030‭ ‬ما‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬14‭ % ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬إضافة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تحققها‭ ‬إحدى‭ ‬القارات‭ ‬العالمية‭. ‬

وتشير‭ ‬التوقعات‭ ‬إلى‭ ‬26‭ % ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الزيادة‭ ‬ستكون‭ ‬من‭ ‬صالح‭ ‬الصين،‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬تتمتع‭ ‬حينها‭ ‬بتفوق‭ ‬استثماري‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬وتحدد‭ ‬مسار‭ ‬سياسات‭ ‬الصناعة‭ ‬العالمية‭ ‬حينها‭. ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تهيمن‭ ‬شركات‭ ‬الاتصالات‭ ‬الأميركية،‭ ‬تحديدا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬وتتحكم‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المنصات‭ ‬التخيلية‭ ‬على‭ ‬23‭ % ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الزيادة‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬ستصل‭ ‬حصة‭ ‬أوروبا‭ ‬التي‭ ‬ستحافظ‭ ‬على‭ ‬تفوقها‭ ‬في‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬الابتكار‭ ‬والتنظيم‭ ‬إلى‭ ‬18‭ %. ‬ولن‭ ‬تتجاوز‭ ‬حصة‭ ‬إفريقيا‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬كاملة‭ ‬5‭ % .‬

تُستخدم‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أنصار‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لإثبات‭ ‬أنه‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬للنمو،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬توزيع‭ ‬المكاسب‭ ‬يكشف‭ ‬اختلالًا‭ ‬بنيويًا‭ ‬واضحًا‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والبيانات‭ ‬تحصد‭ ‬العوائد،‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المستهلك‭. ‬هنا‭ ‬تتحول‭ ‬حجة‭ ‬النمو‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭ ‬بيد‭ ‬المعارضين‭ ‬على‭ ‬خطر‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬التبعية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بصيغة‭ ‬رقمية‭.‬

ثانيًا‭: ‬سوق‭ ‬العمل‭ - ‬الإحلال،‭ ‬التحول،‭ ‬والبطالة‭ ‬الهيكلية

قراءة‭ ‬تحليلية‭:‬

يستند‭ ‬المؤيدون‭ ‬إلى‭ ‬أرقام‭ ‬“خلق‭ ‬الوظائف‭ ‬الجديدة”‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬لكن‭ ‬المعارضين‭ ‬يشيرون‭ ‬إلى‭ ‬فجوة‭ ‬زمنية‭ ‬ومهارية‭ ‬خطيرة‭: ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬تختفي‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تُستبدل‭ ‬فورًا،‭ ‬والوظائف‭ ‬الجديدة‭ ‬تتطلب‭ ‬مهارات‭ ‬لا‭ ‬يملكها‭ ‬معظم‭ ‬المتضررين‭. ‬هذا‭ ‬يولد‭ ‬توترًا‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬حقيقيًا،‭ ‬لا‭ ‬افتراضيًا‭.‬

ثالثًا‭:‬ 

قراءة‭ ‬تحليلية‭:‬

تُستخدم‭ ‬هذه‭ ‬البيانات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النقاد‭ ‬لإثبات‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬تنافسي‭ ‬حر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬احتكارية‭ ‬مغلقة‭. ‬فحتى‭ ‬الابتكار‭ ‬نفسه‭ ‬بات‭ ‬مرهونًا‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬بيانات‭ ‬وشرائح‭ ‬لا‭ ‬تملكها‭ ‬إلا‭ ‬نخبة‭ ‬مالية‭ ‬محدودة‭.‬

رابعًا‭: ‬

قراءة‭ ‬تحليلية‭:‬

هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تمثل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لحجج‭ ‬المعارضين‭ ‬أخلاقيًا‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يرد‭ ‬المؤيدون‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬تعكس‭ ‬فساد‭ ‬البيانات‭ ‬لا‭ ‬فساد‭ ‬التقنية،‭ ‬ويقترحون‭ ‬تحسين‭ ‬قواعد‭ ‬التدريب‭ ‬بدل‭ ‬تعطيل‭ ‬الابتكار‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يُظهر‭ ‬أن‭ ‬تصحيح‭ ‬التحيّز‭ ‬مكلف‭ ‬وبطيء،‭ ‬بينما‭ ‬تنتشر‭ ‬الخوارزميات‭ ‬بسرعة‭ ‬تفوق‭ ‬قدرة‭ ‬التنظيم‭.‬

خامسًا‭: ‬

قراءة‭ ‬تحليلية‭:‬

يرى‭ ‬المؤيدون‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يقلل‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬المعارضون‭ ‬أنه‭ ‬يُبعد‭ ‬القرار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭. ‬الأرقام‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تحسم‭ ‬الجدل،‭ ‬لكنها‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬دخل‭ ‬بالفعل‭ ‬مرحلة‭ ‬عسكرة‭ ‬الخوارزميات‭ ‬دون‭ ‬توافق‭ ‬دولي‭ ‬مسبق‭.‬

سادسًا‭: ‬

قراءة‭ ‬تحليلية‭:‬

هذه‭ ‬البيانات‭ ‬تُستخدم‭ ‬لإثبات‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الحالي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الثقافة‭ ‬الإنسانية‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬خام‭. ‬المؤيدون‭ ‬يرون‭ ‬ذلك‭ ‬امتدادًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬للتعلم‭ ‬البشري،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬المعارضون‭ ‬أنه‭ ‬شكل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬نزع‭ ‬القيمة‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬الإبداعي‭.‬

خلاصة‭ ‬الملحق‭ ‬الإحصائي

تكشف‭ ‬الأرقام‭ ‬أن‭ ‬الانقسام‭ ‬حول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ليس‭ ‬وهميًا‭ ‬ولا‭ ‬أيديولوجيًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬وقائع‭ ‬كمية‭ ‬صلبة‭:‬

‭- ‬نعم،‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يولد‭ ‬ثروة‭ ‬ونموًا‭.‬

‭- ‬ونعم،‭ ‬يخلق‭ ‬وظائف‭ ‬جديدة‭.‬

‭- ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬يسرّع‭ ‬تركّز‭ ‬الثروة،‭ ‬ويُربك‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬ويعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬التحيّز،‭ ‬ويطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬أخلاقية‭ ‬وقانونية‭ ‬غير‭ ‬محسومة‭.‬