هل يشكل ائتمان الصادرات رافعة لريادة الأعمال البحرينية نحو اقتصاد عالمي متنوع؟

| د. نجيب الغربال

هذا المقال ثمرة حوار مع أحد الخبراء المتخصصين في وكالات ائتمان الصادرات (Export Credit Agencies - ECAs) بأحد البنوك العالمية في البحرين، حيث دار النقاش عن الدور المحوري لهذه الوكالات في تحفيز التجارة الدولية وتخفيف المخاطر أمام المصدرين. وتوصلنا إلى قناعة بأن البحرين، رغم صغر حجم سوقها، تمتلك فرصًا واعدة إذا ما جرى توظيف هذه الآلية بشكل استراتيجي لتمكين رواد الأعمال البحرينيين المتخصصين في مجال ائتمان الصادرات من التوسع نحو الأسواق العالمية. الخلفية التاريخية وأسباب النشوء منذ بدايات القرن العشرين، عانت التجارة الدولية من تقلبات اقتصادية ومخاطر سياسية دفعت الدول إلى البحث عن أدوات تعزز الثقة وتحدّ من المخاطر. فجاء إنشاء أول وكالة بريطانية بالعام 1919 لتشجيع الشركات الوطنية على التوسع نحو الخارج، ثم تبعتها الولايات المتحدة بتأسيس بنك التصدير والاستيراد (EXIM Bank) بالعام 1934 في إطار “الصفقة الجديدة”، ليكون أداة مركزية في تمويل المشاريع الكبرى. ومع مرور الزمن، أصبحت وكالات ائتمان الصادرات رافعة استراتيجية للدول، إذ لم تعد مجرد مؤسسات تمويلية، بل تحولت إلى أدوات سياسية واقتصادية تعزز النفوذ في الساحة الدولية وتساعد في بناء شراكات تجارية عابرة للحدود. لمحة عن بعض النماذج الدولية وتختلف تجارب الدول في تطوير وكالات ائتمان الصادرات، لكن يجمعها هدف واحد هو تمكين المصدرين من اختراق الأسواق وتقليل المخاطر. ففي الولايات المتحدة، لعب بنك التصدير والاستيراد دورًا حيويًا في تمويل صفقات كبرى، خصوصًا في مجالات الطيران والبنية التحتية. أما ألمانيا فقد اعتمدت على نظام (Hermes Cover) الذي تديره شركة (Euler Hermes) لتوفير ضمانات ضد المخاطر التجارية والسياسية، في إطار قواعد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وفي كوريا الجنوبية، ساهمت مؤسسة (K-SURE) في دعم صادرات السفن والسيارات والإلكترونيات، ما جعلها محركًا رئيسيًا لتحول البلاد من اقتصاد نامٍ إلى قوة صناعية كبرى.

أما الصين فقد أسست شركة (Sinosure) بالعام 2001، لتكون ذراعًا رئيسة لمبادرة “الحزام والطريق”، مقدمةً مظلة تأمينية واسعة للمشاريع الصينية في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

اليابان نموذج مزدوج اليابان قدّمت نموذجًا فريدًا يقوم على التكامل بين مؤسستين هما وكالة نيبون (Nippon) للتأمين على الصادرات والاستثمار (NEXI) التي تختص بتغطية المخاطر التجارية والسياسية، وبنك اليابان للتعاون الدولي (JBIC) الذي يركز على تمويل المشاريع الكبرى في قطاعات استراتيجية كالبنية التحتية والطاقة. هذا الفصل الواضح بين مهمات التمويل والتأمين يعكس فلسفة الحوكمة اليابانية القائمة على التخصص والشفافية، ويمنح الشركات اليابانية منظومة متكاملة تجمع بين توفير السيولة والحماية في آن واحد.

السعودية نموذج خليجي متطور في المملكة العربية السعودية، جرى تأسيس جهاز وطني لتنمية الصادرات يقدم خدمات التأمين للمصدرين الراغبين في دخول أسواق جديدة أو ناشئة. وقد استفادت المملكة من تنوع منتجاتها، بما يشمل البتروكيماويات والمنتجات الدوائية والقطاعات الصناعية، ما منحها مرونة عالية في تنويع الأسواق وتعزيز مكانتها الاقتصادية. هذا النموذج الخليجي يوضح بجلاء كيف يمكن لمؤسسات وطنية متخصصة أن تتحول إلى أداة استراتيجية لدفع عجلة الصادرات وتنويع مصادر الدخل.

التحديات أمام رواد الأعمال رغم النجاحات التي تحققها وكالات ائتمان الصادرات عالميًا، إلا أن رواد الأعمال يواجهون تحديات حقيقية عند التعامل معها. أبرز هذه التحديات البيروقراطية وكثرة المتطلبات الفنية للحصول على الدعم، فضلًا عن ارتفاع تكلفة الالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية التي تفرضها الوكالات انسجامًا مع أهداف التنمية المستدامة. كما يتطلب التعامل مع هذه الوكالات امتلاك خبرات قانونية ومالية متقدمة، وهو ما قد يشكّل عبئًا على الشركات الناشئة والصغيرة.

البحرين فرصة مستقبلية واعدة ورغم هذه التحديات، فإن البحرين تمتلك مقومات يمكن البناء عليها. صحيح أنه لا توجد حتى الآن وكالة وطنية متخصصة في ائتمان الصادرات، غير أن هذا الواقع قد يفتح المجال أمام القطاع الخاص ورواد الأعمال لتأسيس مبادرات وسيطة مثل مكاتب الاستشارات، وإعداد دراسات الجدوى، أو تطوير منصات تقنية تسهّل الوصول إلى الوكالات الإقليمية والدولية. وتمتاز هذه المبادرات بانخفاض كلفتها نسبيًا مقارنة بإنشاء مؤسسات ضخمة، مع قدرتها على فتح آفاق جديدة للتنوع الاقتصادي وتعزيز موقع البحرين كمركز يربط بين الأسواق المحلية والعالمية. وإلى جانب هذه المبادرات، تتميز البحرين ببيئة استثمارية مرنة وبنية تحتية مالية متقدمة يشرف عليها مصرف البحرين المركزي، ما يجعلها وجهة جاذبة للمؤسسات التمويلية الإقليمية. كما أن البرامج الحكومية مثل تمكين وسياسات تنمية ريادة الأعمال المنسجمة مع رؤية البحرين 2030 وتطلعات استراتيجية 2050 تسهم في تعزيز قدرة المملكة على استقطاب الاستثمارات وتوفير حاضنة متكاملة للابتكار. كل ذلك يمنح البحرين ميزة تنافسية تمكنها من التحول إلى منصة إقليمية رائدة في مجال ائتمان الصادرات.

الخاتمة تشكل وكالات ائتمان الصادرات أدوات استراتيجية لتعزيز التجارة الدولية، فهي ليست مجرد آليات تمويل، بل رافعات اقتصادية وريادية تسهم في تمكين الشركات من التوسع نحو أسواق جديدة. والتجارب الدولية من الولايات المتحدة وألمانيا إلى اليابان وكوريا والصين والسعودية تؤكد فعاليتها في دعم الابتكار وتعزيز النمو الاقتصادي. أما البحرين، فبفضل موقعها الجغرافي المتميز، وبنيتها المالية والتكنولوجية المتقدمة، وكفاءاتها البشرية المؤهلة، فإنها مؤهلة لتبني نموذج تكاملي مع وكالات ائتمان الصادرات الإقليمية والدولية. ومع تبني القطاع الخاص لمبادرات مبتكرة، يمكن أن تتحول المملكة إلى منصة إقليمية تمكّن رواد الأعمال من الاندماج في الاقتصاد العالمي، بما يتسق مع مستهدفات رؤية 2030 وتطلعات 2050.

أكاديمي بحريني