عاش كما أراد

| سيد ضياء الموسوي

نعم.. لقد عاش كما أراد. ذاك هو السعيد الحقيقي الذي يظل طيلة عمره يرسم خرائطه وجغرافية حياته بما يتناسب مع ذاته وشعوره وبنيته النفسية والفكرية، ومع إيقاع ما يحبه. كم هي عظيمة الكلمة: عاش كما أراد، لا كما أراد الناس أو الوجود أو العالم. ذاك هو السعيد الحقيقي الذي يعيش كما يريد، وذاك لا يعني إلغاء التوازنات أو كسر بعض أعراف المجتمع، وإنما المعنى من “عاش كما أراد” أنه استطاع، رغم الأقنعة والضغوط والتقاليد، أن يعيش غرف فندق سعادته الست مع ما يتوافق مع قناعاته وأهدافه وذاته. عاش الثقافة لا كزينة عقل، بل كموطن. تنقّل بين العلوم كما يتنقّل الرحّالة بين القارات؛ دخل الفلسفة دون أن يتجمّد، واقترب من النفس البشرية دون أن يحترق، قرأ ليعرف، لا ليتفوّق، وفهم ليكون أرحب، لا أعلى؛ فالثقافة ما لم تتحول إلى سلوك تبقى كتابًا قديمًا مهجورًا على الرف يسكنه الغبار. المثقف الحقيقي من يعيش ما يؤمن به سلوكًا عمليًا في الحياة. عاش كوكتيل الحياة كاملًا، لم يختصرها في غرفة واحدة، ولا خاف من فتح الأبواب دفعة واحدة. سافر بين المدن الجميلة كما لو كانت امتدادات لروحه، جلس في المقاهي كما يجلس الحكماء، ومشى في الشوارع الأنيقة كما تمشي الفكرة حين تنضج. كان أنيقًا.. لا لأن الأناقة قماش، بل لأن الانسجام يسكن حركته. كشجرة مانغو في ذروة عطائها: واقفة، واثقة، تُثمر دون صخب. مبتهجًا كعصفورة صباح، لا يحمل همّ الليل إلى الضوء، ولا يُحمّل الغد ما لا يحتمله. ضحك دون إسراف، وحزن دون أن يُقيم فيه. غير متوتّر كفهد إفريقي، يعرف متى يركض، ومتى يستلقي تحت الشمس، ومتى ينسحب دون هزيمة. لم يُهدر طاقته في معارك لا تستحق، ولم يُساوم على سلامه كي ينتصر. ركل الألم.. لا إنكارًا له، بل لأنه تعلّم أن الألم محطة لا مسكنًا. نظر إليه، فهم رسالته، ثم واصل الطريق أخفّ وزنًا وأعمق أثرًا. سبح في الوجود لا كغريق يبحث عن نجاة، بل ككائن يعرف الماء ويثق بنفسه. لامس الروح دون أن يهجر الجسد، واقترب من الله دون أن يخاصم الحياة في رهبانية لا تقل عبثًا عن أسرار الحياة المطموسة. أحب.. لكن دون أن يختفي. أعطى.. لكن دون أن يُفرغ نفسه. انسحب حين انتهت الرحلة، ولم يندم لأنه لم يخطئ في البقاء. أحب ذاته قبل الآخرين، وحين أحب الآخر أحبه دون عشق ودون حاجة ودون ذوبان؛ لأن الحب الجارف ليس حبًا، بل مرض؛ احتياج جرح لجرح، ودمع لدمع، وحزن لحزن، وليس احتياج سلام لسلام واطمئنان لاطمئنان؛ فالعلاقات تنتهي عندما تصبح جراحات تلاقت فنزفت معًا؛ فالجرح لا يشفيه جرح آخر، بل شفاء جرح مع جرح آخر شافٍ يصنع حبًا متكاملًا وإن كان به ندوب. وحين يُنظر إلى حياته كاملة، لا يُقال: كم امتلك؟ ولا: كم خسر؟ بل يُقال بهدوء يشبه الحقيقة: نعم..  لقد عاش كما أراد. عاش كما أراد لأنه غير مأسور لرضا الناس مدحًا، ولا خائفًا من النقد ذمًّا، يشعل الحرائق في الظلام مفتشًا في طيّات دفاتر الليل عن أسطر الشمس حين تكتب للبشر كم أن الاحتراق يزيدها لمعانًا وإصرارًا على الطلوع، ولو لفلاح ينتظرها في الجبال لتنير الهضاب وتمازح الوديان. نعم.. هكذا عاش كما أراد. تحدّى الإعصار، لا بعناد الأعمى، بل بذكاء من يعرف متى ينحني ليكمل؛ فالعنيد الأعمى كارثة على البشرية؛ لأنه يلبس البشرية الأكفان على أنها سنديان، والتوابيت على أنها مصابيح، والقبور على أنها قصور، وشواهد المقبرة على أنها أحلام منتظرة. عاش كما أراد، فهو ذاته من لوى عنق الريح، لا ليكسرها، بل ليجعلها تدفعه من الخلف. ومشى على خطّ النار بقدمين تعرفان أن الاحتراق أهون من العيش بلا أثر. والأثر علم، ومعرفة، وإنسانية تجاوزت الأيديولوجيات الضيقة ودكاكين الحروب الطائفية التي توزع الكراهية كعلب السردين على جنود جوعى إلا من رائحة دم الإنسان. كان يقطف الثمار من أعالي الشجر العملاق، غير عابئ بمن يطلقون الرصاص من الأسفل؛ فهو يعرف أن الرصاص البشري لا يقتل من سار في اتجاه المعنى، وأن من يطلقه سيقف يومًا أمام قصاص قدري لا يحتاج شهودًا. وإن أُصيب جزء منه، لم يتوقف. كان يواصل الطريق بما تبقّى من الجسد وبكل ما في الروح من شغف؛ لأن الجمال عنده أهم من السلامة الزائفة. لم تكن حياته حديقة ناعمة تضحك مع الألم، بل حقل أشواك. غير أن قوته لم تكن في الهروب، بل في تحويل القدر: من أشواك قنفذ إلى أزهار قرنفل.. جمالها أن تُشم لا تجرح.غربة الوجود لم يجعلها منفى، بل وسّعها حتى صارت وطنًا. وإن ضاق به زقاق قرية أو اختنقت به مدينة بسبب فكره، فتح قارة جديدة في داخله وسكنها بلا تأشيرة. لم يكن غريبًا عن العالم، بل كان العالم أضيق من اتساعه أحيانًا. فهو من قال عنه جلال الدين الرومي: يا أيها الإنسان الكامل، “أنت لست قطرة في المحيط، أنت المحيط في قطرة”.  هنا تكمن عظمة القوة: أن لا يُختصر الإنسان في تفريس كاميرا، ولا ضجيج قطيع خاسر، ولا تكدس عقارات عامرة، ولا احتراق في مراهقات مغامِرة، ولا بيع الدين في أكياس حشيش مقامِرة، بل الإنسان ذو الغرف الست يحمل سلام الفكر والقلب والعمل.. اطمئنان كغاندي، وسلام كمانديلا، وروح كتيريزا، وقارة حب كبوذا، ووجود إنساني متكامل بعدالة السماء كالإمام علي (ع).تنقّل بين الغرف الست كما يتنقّل شاعر بين بحور الشعر: في غرفة الجسد عرف اللذة كطاقة حياة لا كتعويض عن فراغ، لذة متوازنة بين شغف الروح وشرف القيمة. عرف اللذة دون عبودية، والشهوة دون قذارة، والجسد كبيت لا كفخ. في غرفة الحب أحب بكرامة، وغادر بنُبل، ولم يطلب من أحد أن يكون وطنه. أحب دون إنقاذ، واختار دون تعلّق، وغادر حين انتهت الرحلة. وفي غرفة الثقافة شرب المعرفة كما يُشرب النبيذ المعتّق، على مهل وبنشوة وعي. ولم يسلّم عقله لأي كاهن أو فيلسوف. ليس بكاهن، ولا ليبراليا متطرفا، ولا دينيا متزمتا، ولا علمانيا شديدا. هو الكون تمثّل في إنسان، جمع من الدين أجمل ما فيه، ومن الحداثة ذكاءها، ومن الإنسانية رحمتها، ومن الأديان كلها بساطتها، ومن الشعوب أخوتها. وكان في كل ذلك الإنسان الذي انتهج عقيدة الإنسانية لا عقيدة الطائفة أو عنصرية العرق أو عصبية الفرقة. في غرفة المجتمع صافح، واختلف، وابتعد دون أن يخلع جلده. وفي غرفة الروح لم يهرب من الأرض إلى السماء، بل جعل السماء تمشي معه على الأرض. أحب الله؛ فكانت السماء نبضه، والأرض شطّه، وما بينهما شوقه وشوكه وشرطه وشوطه وشاطئه. ثم خلط كل ذلك في “كوكتيل الحياة”: قليل من المتعة، قليل من الألم، كثير من المعنى، وشغف لا ينطفئ. وهكذا عاش لا لأنه لم يُجرح، بل لأنه لم يسمح للجراح أن تحدد اتجاهه. بل وجد تراكم الجراح بداية انبثاق صباح، وأن الذي لا يتوجع لا يمكن لذاته أن تنضج. وحين يُروى عنه، لا يُقال: كان محظوظًا، بل يُقال بصوت يعرف الحقيقة: نعم.. لقد عاش كما أراد. فمن هو السعيد؟ السعيد هو من عاش كما أراد. لكن  ما معنى أن يعيش الإنسان كما أراد في علم النفس؟ وفي الأنثروبولوجيا؟ وفي فلسفة الوجود؟ بين دوستويفسكي وفرويد وهوكنز وفرانكل وكارل يونغ إلى كل جرّاحي النفس البشرية؟ سيكولوجيًا: أن تعيش كما أراد جهازك العصبي، لا جروحك؛ فسيكولوجيًا، الإنسان لا يعيش كما يريد حين: يختار من خوف، يحب من فراغ، يلتصق لينجو، أو يضحي ليُرى. العيش كما أراد يعني: أن لا تُدار حياتك من صدمة طفولة، ولا من تعلّق وجودي، ولا من جرح يبحث عن اعتراف. اعترف بجرحك وكن طبيب نفسك، وعش الحياة وإن كنت تنزف؛ فمع الرقص تتحول البندقية إلى مزهرية. السعيد نفسيًا هو من أعاد السيادة لجهازه العصبي، فلم يعد يخلط بين: الإثارة والحميمية، التعلّق والحب، النجاة والمعنى. وحينها فقط يصبح الحب اختيارًا لا إسعافًا، والعمل تعبيرًا لا هروبًا، والعزلة مساحة لا عقوبة. وأنثروبولوجيًا: كسر القالب التقليدي للسعادة؛ فمعظم البشر لا يعيشون كما يريدون، بل كما أراد العالم: الأسرة، الدين الاجتماعي، الثقافة المحنطة، الخوف الجمعي من الاختلاف. السعيد هو الخارج من الطقس القهري: الزواج لأنه “يجب”، الإنجاب لأنه “الطبيعي”، البقاء لأنه “العيب”، التضحية لأنها “الكرامة”. السعيد أنثروبولوجيًا هو من انتزع حقه البدائي كأن يختار نمط عيشه دون أن يطلب إذنًا من القطيع. هو من أعاد تعريف الرجولة، الأنوثة، النجاح، الحب، الأخلاق، الجمال، الحرية، الهوية وفق جسده، ووعيه، ورحلته.. لا وفق الطبول التي تُقرع حوله؛ فالطبول ليست دليلًا على الحقيقة، وارتفاع الصوت ليس دليلًا على الحجة، بل برهان على غياب الدليل وتعملق الفكر العليل. وفلسفيًا: السيادة على المعنى لا مطاردة السعادة؛ فالسعادة ليست شعورًا دائمًا ولا نشوة مستقرة. السعيد في غرف فندق السعادة الست هو من: لم يعبد اللذة، ولم يقدّس الألم، ولم يختبئ في الزهد خوفًا من الحياة، بل قال: سأعيش “الكوكتيل” الكامل للحياة وأتحمّل ثمنه بوعي؛ فالغرف الست خريطة العيش كما أراد. الإنسان الذي عاش كما أراد لم يسكن غرفة واحدة وهرب من البقية، لقد عاش كما أراد متنقلًا بين الغرف، عاشقًا لله والحياة. إنه “الكوكتيل”، لا الزهد ولا الإدمان. السعيد ليس ناسكًا خائفًا من الجمال، ولا مستهلكًا فارغًا من المعنى، بل ذاك الذي قال: جمال الزهد.. ليس في زهد الجمال، بل في امتلاكه دون أن يمتلكك. من عاش كما أراد، أي: اختار، تحمّل نتائج اختياره، لم يعش نسخة مفروضة عليه. وهذا أعمق من أي إنجاز؛ لأنها تعني السيادة على الحياة لا السيطرة عليها. من عاش كما أراد: لم يكن عبد خوف، لم يكن رهينة تعلّق، لم يكن أسير نظرة الآخرين. حتى الألم الذي مرّ به كان ألمه المختار، لا ألمًا فُرض عليه؛ فما أسعد من انطبق عليه هذا العنوان المختصر للسعيد الحقيقي، وقال عنه التاريخ: عاش كما أراد، عاش كما أراد، أسقط الأقنعة، وكسر القعقعة، وبنى القلعة، وعاش ذاتًا قانعة. هو وحده بين الصواعق، هو الصاعقة.