قلب الأم

| إبراهيم النهام

قلبُ الأم كونٌ كامل من الرحمة، وذاكرةٌ من الوجع، وسماءٌ من الحب الذي لا يعرف حدودًا. هو القلب الوحيد الذي يتّسع لفرحٍ مضاعف وحزنٍ لا يُحتمل، ومع ذلك يستمر في الخفقان.. حتى إن انكسر. في هذه القصة الموجعة، سقط طفلٌ أوكراني لم يتجاوز الخامسة من عمره من شرفة منزلهم بتركيا في الطابق الثامن، أثناء لحظة وداع عابرة لوالدته التي كانت تستعد للخروج. سقوط واحد أنهى حياة طفل، وفتح هاوية لا قرار لها في قلب أمٍ رأت فلذة كبدها يفارق الحياة أمام عينيها. الصدمة لم تكن حدثًا عابرًا، بل زلزالًا نفسيًّا أطاح بتوازنها، لتعود بعد يوم واحد فقط، وفي التوقيت ذاته، وتقف في المكان نفسه.. وتختار السقوط. يقول جبران خليل جبران “قلب الأم هوّة عميقة ستجد المغفرة دائمًا في قاعها”، لكن ماذا لو امتلأت تلك الهوّة بالحزن دفعة واحدة؟ وماذا لو لم تعد المغفرة قادرة على إنقاذ روحٍ احترقت بالفقد؟ ويقول فيكتور هوغو، الأديب والشاعر الفرنسي الكبير، صاحب “البؤساء”: “الأم هي كل شيء.. هي التعزية في الحزن، والرجاء في اليأس”. لكن السؤال المؤلم: من يُعزّي الأم حين يكون سبب حزنها هو كل حياتها؟ ومن يرمّم قلبًا كان وجوده قائمًا على وجود ابن؟ هذه القصة، رغم قسوتها، تفتح بابًا أوسع للتأمل في قيمة الأم، وفي خطورة الاستهانة بمشاعرها، أو جرحها، أو تجاهلها. فعقوق الأبناء لا يبدأ فقط بالكلمة القاسية أو الفعل المؤذي، بل أحيانًا بالإهمال، بعدم الاحتواء، وبنسيان أن قلب الأم ليس محصنًا ضد الانكسار. قد يرحل الأبناء، وقد يكبرون وينشغلون، لكن على كل ابن أن يتذكّر: قلب الأم إذا انكسر، فقد لا يعود يعرف طريقه للحياة. والبرّ بها ليس فضيلة إضافية، بل طوق نجاة.. لها ولنا.