من الأسطول الخامس إلى الذكاء الاصطناعي.. لماذا لا تصبح البحرين الشريك السيادي لواشنطن في “ستارغيت الخليج”؟
| رضا أميري
عندما ننظر إلى خريطة التحالفات الاستراتيجية في العالم، نكتشف أن بعض العلاقات لا تُقاس بالسنوات بل بالثقة. العلاقة البحرينية الأميركية واحدة من هذه الحالات النادرة؛ شراكة أمنية وسياسية امتدت عقودا، وفّرت للبحرين مظلة استقرار، وللولايات المتحدة نقطة ارتكاز استراتيجية في قلب الخليج العربي. لكن السؤال الجريء اليوم هو: لماذا تبقى هذه العلاقة محصورة في الإطار الأمني التقليدي، بينما يُعاد تعريف السيادة في القرن الحادي والعشرين من بوابة الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة؟ مشروع مدينة للحواسيب الخارقة والذكاء الاصطناعي في البحرين لا يجب أن يُقدَّم كاستثمار تجاري عادي، بل كمشروع سيادي مشترك، يعكس تطور التحالف من الدفاع العسكري إلى الدفاع التكنولوجي والاقتصادي. تجربة “Stargate Abilene” في تكساس، والتحركات الإماراتية والسعودية المتسارعة في هذا المجال، تؤكد أن الدول التي تمتلك بنية الحوسبة اليوم، ستمتلك القرار الاقتصادي غدًا. وهنا تبرز فرصة بحرينية فريدة، ليس فقط بحكم الموقع والكلفة التنافسية والبيئة التنظيمية المرنة، بل بحكم العلاقة التاريخية العميقة مع الولايات المتحدة. البحرين تستطيع أن تطرح نموذجًا غير مسبوق في المنطقة، مستلهمًا من صفقات أميركية حديثة دخلت فيها الحكومة الفيدرالية كشريك مباشر في شركات استراتيجية مثل “Intel” و “MP Materials” و “US Steel”، عندما رأت واشنطن أن السوق وحده لا يكفي لحماية المصالح السيادية طويلة الأمد. الهيكل المقترح جريء لكنه واقعي: تقوم الولايات المتحدة، عبر ذراع سيادية أو مؤسسة تمويل تنموي فيدرالية، بتقديم قرض طويل الأجل منخفض الكلفة لمشروع “ستارغيت البحرين”، على أن يكون هذا القرض قابلًا للتحول إلى حصص ملكية عند تحقيق معايير تشغيلية وتقنية واضحة. ويمكن أن يتضمن الهيكل سهمًا ذهبيًا يمنح الحكومة الأميركية حق النقض في القرارات المرتبطة بالأمن القومي أو نقل التكنولوجيا الحساسة، من دون التدخل في الإدارة اليومية أو المساس بالسيادة البحرينية. هذا النموذج يخلق معادلة رابحة للطرفين؛ البحرين تحصل على تمويل أقل كلفة، ومصداقية دولية عالية، وقدرة أكبر على جذب كبار المستثمرين العالميين الذين يبحثون عن مظلة سيادية مستقرة، والولايات المتحدة تضمن موطئ قدم استراتيجيا في بنية تحتية حيوية للذكاء الاصطناعي خارج أراضيها، في منطقة تشهد تنافسًا دوليًّا متسارعًا على البيانات، والطاقة، والحوسبة المتقدمة. هنا يأتي دور مجلس التنمية الاقتصادية البحريني في تحويل هذه الرؤية إلى عرض استثماري سياسي اقتصادي متكامل. المشروع يجب أن يُسوَّق في واشنطن ليس كطلب تمويل أو دعم تقني، بل كفرصة استراتيجية للولايات المتحدة لتعميق نفوذها التكنولوجي في الخليج، في لحظة تاريخية أصبحت فيها الحوسبة الفائقة تعادل في أهميتها القواعد العسكرية التقليدية. إنها دعوة لشراكة سيادية طويلة الأمد، تُبنى على المصالح المشتركة لا على المنح، وعلى الاستثمار في المستقبل لا إدارة الحاضر فقط. الأهم أن هذه الشراكة لا تعني بيع أصول وطنية، بل بناء أصل سيادي مشترك يُدار وفق القوانين البحرينية، ويخدم اقتصاد المنطقة، مع احترام حساسيات الأمن القومي للطرفين. ويمكن ربطها بالتزام أميركي بنقل المعرفة، وتدريب الكفاءات البحرينية، واستخدام موردين أميركيين في مجالات الرقائق، والبرمجيات، وأنظمة التبريد المتقدمة، بما يعمّق الأثر الاقتصادي والتقني داخل المملكة. هذا التوجه ينسجم مع الرؤية الإصلاحية الشاملة لملك البلاد المعظم حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، الذي قاد مسيرة تحديث الدولة، ورسّخ مكانة البحرين كشريك موثوق دوليًّا ومنفتح على الاقتصاد العالمي، مع الحفاظ على سيادتها واستقرارها. دعم القيادة العليا لمشاريع استراتيجية بعيدة المدى هو ما يمنح مثل هذه المبادرات ثقلها السياسي وثقة المستثمرين. التوقيت هنا عامل حاسم. وجود قيادة أميركية تفهم لغة الصفقات الكبرى، وتؤمن بدور الدولة كشريك في المشاريع الاستراتيجية، يخلق نافذة نادرة. الرئيس دونالد ترامب، بعقليته التجارية الواضحة، أظهر استعدادًا لدعم نماذج غير تقليدية عندما تخدم المصلحة الأميركية. وفي المقابل، يتمتع صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء برؤية اقتصادية حديثة أثبتت أن البحرين قادرة على التحرك بسرعة واتخاذ قرارات جريئة عندما تتضح الفرصة. سياديًّا، هذا المشروع ينقل البحرين من موقع المستهلك للتكنولوجيا المتقدمة إلى شريك في صناعتها. اقتصاديًّا، يخلق وظائف عالية القيمة، ويؤسس لاقتصاد معرفة حقيقي، ويعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي للتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي. استراتيجيًا، يعيد تعريف العلاقة البحرينية الأميركية بلغة المستقبل، لا بلغة الماضي فقط. من الأسطول الخامس إلى “ستارغيت الخليج”، المسافة ليست جغرافية ولا تقنية.. إنها مسافة قرار، ورؤية، وجرأة في اقتناص لحظة تاريخية قد لا تتكرر.