هكذا عشنا..
| د. بثينة خليفة قاسم
لم يكن ذلك جيلاً بحاجة إلى مسمّى، لم تُحدّده سنة ميلاد، ولم يُختزل في عقدٍ زمني بعينه. جيل تشكل في زمن كانت فيه الحياة أبطأ إيقاعاً، والعلاقات أبسط، والأمور تُنجز دون ضجيج أو مبالغة. سبق هذا الجيل موجة التسارع، وعاش تفاصيل الحياة كما جاءت، من دون حاجة إلى تعريف كل شيء أو تفسيره. نشأ أفراده في بيئات لم تكن تميل إلى الإفراط في التحليل أو الشرح المستمر. القيم لم تكن محل جدل، بل ممارسة يومية، وكان البيت التأثير الأبرز، والمدرسة امتداداً طبيعياً له، وحتى الشارع أدّى دوره التربوي بهدوء، من دون استعراض أو ادّعاء. لم يشعر هذا الجيل بالحاجة إلى إطلاق التسميات على نفسه أو لفت الانتباه، لأن الهوية كانت تتشكّل تلقائياً. امتد هذا الجيل عبر أكثر من مرحلة زمنية، وتداخلت أعمار أفراده، لكن ما جمعهم لم يكن تاريخ الميلاد، بل أسلوب العيش.. طريقة واحدة في التعامل مع الآخرين، وحدود واضحة، وتحملٌ مبكر للمسؤوليات دون حاجة إلى تضخيم أو إعلان. اختلفت البيوت، لكن الجوهر ظل متقارباً إلى حدٍ لافت، وشهد هذا الجيل تحوّلاً كبيراً: من البساطة إلى التعقيد، ومن الاكتفاء بالقليل إلى وفرة مربكة. لم يقاوم التغيير، ولم يندفع نحوه بلا وعي. تكيّف بصمت، التقط ما يحتاجه، وتجاوز ما لا يعنيه. لم يكن منشغلاً بسرد تجربته، ولا بالسعي إلى التقدير أو التصفيق. لم يكن جيلاً مثالياً ولم يرَ نفسه أفضل ممن جاء بعده. أخطأ كما يخطئ الجميع، تعثّر، ثم نهض من جديد. لكنه ترك أثره بالفعل لا بالكلام، وبالحضور الهادئ لا بالضجيج. وربما لهذا السبب، لم ينسجم مع التصنيفات السهلة، ولم يسعَ يوماً إلى لفت الانتباه. هذا البوح ليس حنيناً إلى الماضي، ولا محاولة لتفضيل زمنٍ على آخر. إنه مجرد إضاءة على مرحلة عاش فيها الناس بعيداً عن كثرة التسميات، وقبل أن يصبح كل شيء قابلاً للتأويل أو الاستغلال. وسيظل يُعرف، في الذاكرة الجمعية، بأنه جيل الطيبين. فهل تجد شيئاً منك فيه؟