كمبوديا وتايلاند... الاقتصاد يدفع ثمن المدافع
| عبدالله بوقس
لم تعد المواجهة الحدودية بين تايلاند وكمبوديا مجرّد نزاع على خطوط ترسيم أو نقاط سيادة، بل تحوّلت إلى أزمة ذات كلفة اقتصادية واجتماعية مباشرة. فكل إغلاق للمعابر لا يعني فقط إعادة انتشار عسكري، بل تعطّل سلاسل إمداد، وارتفاع أسعار، وتآكل دخل الأسر في مناطق تعتمد على الحدود بوصفها مصدر حياة. لفهم عمق التأثير، يجب البدء من التجارة، إذ تقوم العلاقة الاقتصادية بين الدولتين أساسًا على التجارة الحدودية البرية لا الموانئ البعيدة. ووفق بيانات الأمم المتحدة، بلغت صادرات تايلاند إلى كمبوديا في 2024 نحو 9.23 مليارات دولار، مقابل واردات لم تتجاوز 1.21 مليار دولار، ما يجعل كمبوديا سوقًا مهمًّا، لكنها غير حاسمة لاقتصاد تايلاند الكبير والمتنوع. غير أن الصورة تنقلب عند النظر من الجانب الكمبودي، إذ تمثل تايلاند نحو 12 % من إجمالي واردات كمبوديا في 2024، بقيمة تقارب 3.44 مليارات دولار من أصل واردات بلغت 28.7 مليار دولار. وبعبارة مبسطة، أي تعطّل طويل في المعابر لا يبقى أثره في دفاتر الإحصاء، بل يظهر سريعًا في نقص السلع وارتفاع أسعارها، لأن البدائل أبعد جغرافيًّا وأكثر كلفة. هذا الخلل التجاري سرعان ما تحوّل إلى ضغط اجتماعي مباشر، فقد أفادت تقارير تايلاندية بانهيار تجارة الحدود بنسبة 97.5 % في يوليو 2025 بعد إغلاق عشرات المعابر، لتتراجع قيمتها إلى نحو 376 مليون بات فقط، أي قرابة 10.5 ملايين دولار. وفي محافظة ترات الحدودية وحدها تجاوزت الخسائر مليار بات، ما انعكس بطالة وتراجعًا في الدخل بمناطق تفتقر لبدائل سريعة. الوقود شكّل الحلقة الأخطر في هذا المسار، فقد أعلن الجيش التايلاندي وقف شحنات الوقود العابرة عبر معبر تشونج ميك الحدودي مع لاوس، خشية تحويلها إلى كمبوديا. وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع التايلاندي الأدميرال سوراسانت كونجسيري، أن القرار يستهدف منع وصول الوقود إلى القوات الكمبودية دون الإضرار بلاوس. هنا، يتحول الوقود من سلعة لوجستية إلى أداة ضغط، لأن أي نقص فيه يرفع كلفة النقل والغذاء معًا. على خلفية ذلك، يتصاعد المشهد العسكري. الصراع يتجدد على امتداد حدود بطول 817 كيلومترًا، مع اشتباكات في تسعة مواقع على الأقل، واستخدام تايلاند للطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة وغارات بمقاتلات إف-16، في مقابل قدرات كمبودية محدودة. ورغم محاولات الوساطة الدولية، يتبادل الطرفان الاتهام بخرق هدن سابقة، ما يُبقي النزاع مفتوحًا. بالنسبة للقارئ الخليجي، لا تكمن أهمية ما يجري بين تايلاند وكمبوديا في موقع النزاع ذاته، بل فيما يبيّنه عمليًا من أن الاقتصاد هو أول من يدفع الثمن عندما تتقدّم لغة المدافع على حساب الاستقرار، وأن التجارة وسلاسل الإمداد الإقليمية تتأثر سريعًا بأي توتر سياسي. وعندها لا يبقى الأثر محصورًا في الحسابات، بل ينعكس مباشرة على السوق والمعيشة اليومية.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور