التصالح مع النفس

| د. سعدالله المحمدي

الصلحُ‭ ‬خيرٌ‭ ‬كلّه،‭ ‬والإصلاحُ‭ ‬مِنْ‭ ‬أجَلّ‭ ‬الأعمال‭ ‬وأنفعها‭ ‬للناس،‭ ‬والتّصالح‭ ‬والتّفاهم‭ ‬صفةُ‭ ‬العقلاء‭ ‬ودأبُ‭ ‬أصحاب‭ ‬النفوس‭ ‬الرفيعة؛‭ ‬فالحكماءُ‭ ‬وأهل‭ ‬البصيرة‭ ‬يتصالحون‭ ‬ويتسامحون،‭ ‬وَيَنْسوْنَ‭ ‬المنغّصات‭ ‬والمشاكل،‭ ‬ولا‭ ‬يجعلون‭ ‬من‭ ‬العثرات‭ ‬والزّلات‭ ‬أسبابًا‭ ‬لقطع‭ ‬الوُدّ‭ ‬والمحبّة،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوزونها‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬صفاء‭ ‬القلوب‭ ‬واستمرارِ‭ ‬العلاقات،‭ ‬وصونًا‭ ‬لأنفسهم‭ ‬مِنْ‭ ‬صراعات‭ ‬لا‭ ‬منْتصر‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬ثمرةَ‭ ‬وراءها‭.‬

ومن‭ ‬أهم‭ ‬أبواب‭ ‬التصالح‭: ‬أن‭ ‬يتصالح‭ ‬الإنسان‭ ‬مع‭ ‬محيطه‭ ‬القريب؛‭ ‬مع‭ ‬مجتمعه،‭ ‬وأسرته،‭ ‬وأصدقائه،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬أعمق‭ ‬هذه‭ ‬الأبواب‭ ‬وأدقّها‭ ‬هو‭ ‬التّصالح‭ ‬مع‭ ‬النفس‭ ‬وإصلاحها،‭ ‬دون‭ ‬مقارنتها‭ ‬بالآخرين‭ ‬أو‭ ‬إقحامها‭ ‬في‭ ‬منافسةٍ‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬محلّها،‭ ‬فكلٌّ‭ ‬ميسّرٌ‭ ‬لما‭ ‬خُلق‭ ‬له،‭ ‬ولله‭ ‬في‭ ‬خلقه‭ ‬شؤون‭. ‬لا‭ ‬ريب‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬الحياة‭ ‬ثمينة‭... ‬لكنّ‭ ‬نفسك‭ ‬مِنْ‭ ‬حياتك‭ ‬أثمن‭.‬

وقبولُ‭ ‬الذات‭ - ‬يا‭ ‬أحبتي‭ - ‬يبدأ‭ ‬بالاعتراف‭ ‬بنقاط‭ ‬الضعف‭ ‬والقصور،‭ ‬والنظر‭ ‬إليها‭ ‬بوعي‭ ‬وفهم،‭ ‬ثم‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬الإصلاح‭ ‬والتغيير‭ ‬بخطوات‭ ‬هادئة‭ ‬ومتتابعة،‭ ‬والتي‭ ‬ستشكّل‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬رحلة‭ ‬قوية‭ ‬الأثر،‭ ‬راسخة‭ ‬العلامة،‭ ‬عظيمة‭ ‬الفائدة‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭. ‬ومن‭ ‬معالم‭ ‬التصالح‭ ‬مع‭ ‬النفس‭ ‬أن‭ ‬يرضى‭ ‬الإنسان‭ ‬بقضاء‭ ‬الله‭ ‬وقدره،‭ ‬ويُدرك‭ ‬نعم‭ ‬الله‭ ‬عليه،‭ ‬ويعيش‭ ‬لحظته‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬يومه،‭ ‬دون‭ ‬الانغماس‭ ‬في‭ ‬هواجس‭ ‬ماضٍ‭ ‬ولّى‭ ‬زمنه‭ ‬أو‭ ‬القلق‭ ‬بشأن‭ ‬مستقبل‭ ‬لم‭ ‬يشرق‭ ‬فجره‭ ‬بعد،‭ ‬عندها‭ ‬يخفُّ‭ ‬ضجيج‭ ‬النفس،‭ ‬ويزداد‭ ‬اتزانها،‭ ‬وتهدأ‭ ‬مسالكها‭.‬

ويدخل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬احترام‭ ‬الموهبة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬بسيطة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬اللغة‭ ‬الإيجابية‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬الداخلي‭ ‬مع‭ ‬النفس،‭ ‬والاستقامة‭ ‬على‭ ‬الطريق،‭ ‬وعدم‭ ‬محاولة‭ ‬إرضاء‭ ‬الجميع؛‭ ‬فغايات‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬تُدرك،‭ ‬ومطالبهم‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬والحياة‭ ‬ــ‭ ‬كما‭ ‬يصفها‭ ‬أهل‭ ‬الخبرة‭ ‬ــ‭ ‬ليست‭ ‬خطًا‭ ‬مستقيمًا‭ ‬ولا‭ ‬مسارًا‭ ‬واحدًا؛‭ ‬بل‭ ‬فيها‭ ‬أفراح‭ ‬وأتراح،‭ ‬وساعات‭ ‬ضيق‭ ‬وساعات‭ ‬بسط،‭ ‬وفرص‭ ‬نجاح‭ ‬تعانقك‭ ‬حينًا،‭ ‬وإخفاقات‭ ‬تعلّمك‭ ‬حينًا‭ ‬آخر،‭ ‬هي‭ ‬رحلة‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬صحراء‭ ‬واسعة؛‭ ‬قد‭ ‬تمرّ‭ ‬فيها‭ ‬برياض‭ ‬وأزهار‭ ‬تسرّ‭ ‬الناظرين،‭ ‬وبسهولٍ‭ ‬ووديان‭ ‬خضراء‭ ‬تُبهج‭ ‬القلب،‭ ‬ثم‭ ‬تُفاجئك‭ ‬رياحٌ‭ ‬عاتية‭ ‬ومفاوز‭ ‬مخفية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صبر‭ ‬وهمّة،‭ ‬وحيطة‭ ‬وحذر.

لذا،‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬محطة‭ ‬واحدة،‭ ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬يستحق‭ ‬الوقوف‭ ‬والانتظار‭ ‬والتسليم،‭ ‬ولا‭ ‬كلّ‭ ‬حادثة‭ ‬تستوجب‭ ‬الشكوى‭ ‬والتذمّر‭ ‬والعتاب،‭ ‬بل‭ ‬تصالح‭ ‬مع‭ ‬نفسك‭ ‬وانطلق‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬واثق‭ ‬الخطى‭ ‬وأكمل‭ ‬المسير‭.‬

قال‭ ‬شوقي‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء‭:‬

كم‭ ‬واثق‭ ‬بالنّفس‭ ‬نهّاض‭ ‬بها‭... ‬سادَ‭ ‬البريّة‭ ‬فيه‭ ‬وهو‭ ‬عِصامُ

ويرى‭ ‬علماء‭ ‬النفس‭ ‬أن‭ ‬الشخص‭ ‬الناجح‭ ‬يصالح‭ ‬نفسه،‭ ‬ويتقبلها‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬تقييم‭ ‬الآخرين‭ ‬ليس‭ ‬معيارًا‭ ‬أساسيًّا؛‭ ‬وأنه‭ ‬لم‭ ‬يُخلق‭ ‬ليسكن‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الاتهام،‭ ‬ويشكل‭ ‬حياته‭ ‬وفق‭ ‬رغبات‭ ‬الناس،‭ ‬فمن‭ ‬عرف‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يضرّه‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬الناس‭ ‬فيه‭.‬

ومن‭ ‬تمام‭ ‬التصالح‭ ‬مع‭ ‬النفس،‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬اللامبالاة‭ ‬والتغافل‭ ‬أحيانًا،‭ ‬وعدم‭ ‬التبريرات‭ ‬للآخرين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬صغيرة‭ ‬وكبيرة،‭ ‬فالإفراط‭ ‬في‭ ‬التبرير‭ ‬علامة‭ ‬اضطراب‭ ‬داخلي‭ ‬وضعف‭ ‬ثقة،‭ ‬وهو‭ ‬استنزافٌ‭ ‬للعقل‭ ‬والصحة،‭ ‬وكثرة‭ ‬الاعتذار‭ ‬تُقحم‭ ‬صاحبها‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الاتهام‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭.‬

 

شمعة‭ ‬أخيرة‭:‬

لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬السلام‭ ‬والجمال‭ ‬والسكينة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬نفسك،‭ ‬ستجد‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬صدرك،‭ ‬والجمال‭ ‬في‭ ‬روحك،‭ ‬والطمأنينة‭ ‬في‭ ‬قلبك‭ ‬إنْ‭ ‬ذكرتَ‭ ‬ربّك،‭ ‬وأخلصتَ‭ ‬عملك،‭ ‬وصالحتَ‭ ‬نفسكَ‭.‬

 

أستاذ‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬ومدرب‭ ‬معتمد