الصحافة الاقتصادية

| أسامة مهران

الصحافة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬استحداثها‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬والمجلات‭ ‬العالمية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عنها‭ ‬يظل‭ ‬متجددًا‭ ‬كل‭ ‬حين،‭ ‬يظل‭ ‬البعض‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬عِلم‭ ‬ينبغي‭ ‬نقله‭ ‬بحذافيره‭ ‬حرصًا‭ ‬على‭ ‬دقة‭ ‬التوصيل،‭ ‬ونزاهة‭ ‬التعاطي،‭ ‬وعدم‭ ‬الإخلال‭ ‬بالمحتوى‭.‬

في‭ ‬السابق‭ ‬كنا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الصحافة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬التبسيط‭ ‬غير‭ ‬المخل‭ ‬بالمعنى،‭ ‬والتسهيل‭ ‬على‭ ‬القارئ‭ ‬باستخدام‭ ‬لغة‭ ‬“وسط”‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬“رهبة”‭ ‬المصطلح‭ ‬و”مرونة”‭ ‬اللفظ،‭ ‬ثم‭ ‬بين‭ ‬“حرفية”‭ ‬الرقم‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬المتلقي‭. ‬في‭ ‬السابق‭ ‬كنا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬أشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تحترفها‭ ‬الصحافة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إنقاذًا‭ ‬للقارئ‭ ‬من‭ ‬“التطويل”‭ ‬الممل،‭ ‬والتعمق‭ ‬المُخل،‭ ‬حيث‭ ‬ابتكرنا‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬ابتكرنا‭ ‬“الفيتشر”‭ ‬أي‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة‭ ‬للحدث‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬المطولة‭ ‬التي‭ ‬تطرد‭ ‬الباحث‭ ‬عن‭ ‬المعلومة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عنها،‭ ‬واتبعنا‭ ‬تقليدًا‭ ‬لـ‭ ‬“الإكونومست”‭ ‬المجلة‭ ‬العالمية‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬المال‭ ‬والأعمال،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الاختراع‭ ‬معجبًا‭ ‬بالصورة‭ ‬التقليدية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬“رقمية”،‭ ‬وكانت‭ ‬الاستعانة‭ ‬باللغة‭ ‬الأدبية‭ ‬والبلاغة‭ ‬الاسترشادية‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬المكنون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬غير‭ ‬المتداول‭ ‬أحيانًا،‭ ‬والصعب‭ ‬أحيانًا‭ ‬أخرى،‭ ‬ثم‭ ‬انتقلنا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬نطلق‭ ‬عليه‭ ‬سرديًّا‭ ‬الجُمل‭ ‬القصيرة‭ ‬والأخبار‭ ‬السريعة،‭ ‬واللقطات‭ ‬الموحية‭ ‬لفظًا‭ ‬وتصويرًا‭ ‬واستعانة‭ ‬بالسيناريو‭ ‬القصصي‭ ‬الذي‭ ‬تستخدمه‭ ‬صناعة‭ ‬السينما‭ ‬بإتقان‭ ‬ومهارة‭ ‬واحتراف‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الصحافة‭ ‬الرقمية‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬لعبت‭ ‬دورًا‭ ‬ثوريًّا‭ ‬في‭ ‬إخراج‭ ‬الصحافة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬رتابتها،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬كتابة‭ ‬التقارير‭ ‬والأعمدة‭ ‬التي‭ ‬تلقي‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬قضية‭ ‬اقتصادية‭ ‬محددة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إقحام‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬تفريعات‭ ‬لا‭ ‬لزوم‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬تفاصيل‭ ‬لا‭ ‬طائل‭ ‬منها‭. 

و‭.. ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬الصحافة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تتراجع‭ ‬في‭ ‬صحافتنا‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬الجيل‭ ‬العملاق‭ ‬المزود‭ ‬للمحتوى،‭ ‬والذي‭ ‬تم‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬المتطورة‭ ‬بدءًا‭ ‬مما‭ ‬يطلق‭ ‬بـ‭ ‬“الماكرو‭ ‬إيكونومي”‭ ‬إلى‭ ‬“المايكرو‭ ‬إيكونومي”،‭ ‬ودخول‭ ‬أسواق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬واقتصاد‭ ‬الوحدات‭ ‬والمنشآت‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬بعد‭ ‬انهيار‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الشمولي،‭ ‬وإحلال‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬مكانة‭ ‬في‭ ‬نقلة‭ ‬تاريخية‭ ‬مازلنا‭ ‬نتعامل‭ ‬معها‭ ‬بكل‭ ‬حرص‭ ‬وخوف‭ ‬وتردد‭.‬

وها‭ ‬نحن‭ ‬اليوم‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الصناعة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خفت‭ ‬ضجيجها،‭ ‬بالتحديد‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اعتمدت‭ ‬“التسهيل”‭ ‬المُخل‭ ‬بنقل‭ ‬التقارير‭ ‬الصحافية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬سبق‭ ‬يُعتد‭ ‬به،‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬هذه‭ ‬التقارير‭ ‬على‭ ‬عشرات‭ ‬المواقع‭ ‬الإخبارية‭ ‬والمنصات‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬ورغم‭ ‬وصولها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬إلى‭ ‬الصحف‭ ‬اليومية‭ ‬“ورقية”‭ ‬و”رقمية”‭ ‬و”ما‭ ‬بينهما”‭.‬

هذا‭ ‬الخفوت‭ ‬للصحافة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬احترافية‭ ‬ثانية‭ ‬بعد‭ ‬التي‭ ‬زاملته‭ ‬منذ‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬لابد‭ ‬مثلًا‭ ‬من‭ ‬اعتماد‭ ‬أشكال‭ ‬صحافية‭ ‬جديدة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬أرشفة‭ ‬المعلومة‭ ‬ثم‭ ‬إعادة‭ ‬“تركيبها”‭ ‬على‭ ‬الصفحات‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يكتمل‭ ‬نضجها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬الصياغة‭ ‬كـ‭ ‬“شكل”،‭ ‬ومن‭ ‬قبلها‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬لابد‭ ‬منها‭ ‬لتحقيق‭ ‬السبق‭ ‬“الإخباري”‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وتثبيت‭ ‬ذلك‭ ‬السبق‭ ‬بخلق‭ ‬صورة‭ ‬ذهنية‭ ‬ثقيلة‭ ‬المحتوى‭ ‬بسيطة‭ ‬التعبير‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭.‬

المشكلة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬هذا‭ ‬المنهج‭ ‬تكمن‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬انصراف‭ ‬الصحافيين‭ ‬الجادين‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحافية‭ ‬النوعية‭ ‬نظرًا‭ ‬لارتباطها‭ ‬بشتى‭ ‬أنواع‭ ‬الكتابة‭ ‬الأخرى،‭ ‬وصعوبة‭ ‬بل‭ ‬واستحالة‭ ‬إقامة‭ ‬علاقات‭ ‬متوازنة‭ ‬بين‭ ‬المعلومة‭ ‬“العامة”‭ ‬وتلك‭ ‬“المتخصصة”،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يؤسس‭ ‬أكاديميًّا‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مناهج‭ ‬“علم‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحافية”،‭ ‬بل‭ ‬وإلغاء‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬وحدة‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬“العموميات”‭ ‬مع‭ ‬“الخصوصيات”،‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬شأن‭ ‬عام‭ ‬وبسيط‭ ‬ومتداول‭ ‬في‭ ‬طبيعته،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬شأن‭ ‬“خاص‭ ‬في‭ ‬مظهره”،‭ ‬“عام‭ ‬في‭ ‬محتواه”،‭ ‬و‭.. ‬للحديث‭ ‬صلة‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية