فهد الفيصل.. فضيلة الوعي وبعد النظر

| حسن المصطفى

طقس‭ ‬الرياض‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭ ‬يغريك‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تكبرُ‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬آخر،‭ ‬تشعُ‭ ‬في‭ ‬الليالي‭ ‬كزمردة،‭ ‬وتسرقك‭ ‬شوارعها‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬تدلف‭ ‬في‭ ‬أحدها،‭ ‬إلا‭ ‬وتقبض‭ ‬عليك‭ ‬الدهشة‭ ‬من‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬يغريك‭ ‬بالتجريب،‭ ‬ويجعل‭ ‬قلبك‭ ‬مشدودًا‭ ‬نحو‭ ‬العاصمة‭ ‬التي‭ ‬تتكئ‭ ‬على‭ ‬الرمال‭ ‬الذهبية،‭ ‬رمالٌ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أحدٌ‭ ‬يتخيلُ‭ ‬أنها‭ ‬ستكون‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬الآن،‭ ‬وما‭ ‬ستصيره‭ ‬مستقبلاً‭!‬

كُنا‭ ‬نجلسُ‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬الخشبية،‭ ‬والنار‭ ‬المتقدة‭ ‬تبعث‭ ‬فينا‭ ‬الدفء‭ ‬وجذوة‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يحيلك‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ،‭ ‬كي‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجمال‭ ‬لم‭ ‬يبزغ‭ ‬فجأة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬عملٍ‭ ‬دؤوب‭ ‬ورؤية‭ ‬حصيفة،‭ ‬صاغتها‭ ‬شخصيات‭ ‬آمنت‭ ‬بمشروع‭ ‬الدولة‭ ‬السعودية،‭ ‬وأخلصوا‭ ‬لها،‭ ‬وجابوا‭ ‬مدن‭ ‬العالم‭ ‬متلمسين‭ ‬عقول‭ ‬الآخرين‭ ‬وتجاربهم،‭ ‬كي‭ ‬يأخذوا‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مجدٍ‭ ‬تليدٍ‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬العلم‭ ‬والإنجاز‭. ‬دارت‭ ‬أقداح‭ ‬القهوة‭ ‬في‭ ‬شتاء‭ ‬الرياض،‭ ‬ونحن‭ ‬نتأمل‭ ‬شوارعها‭ ‬الفسيحة،‭ ‬ليذكرني‭ ‬محدثي‭ ‬بأن‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬الاتساع‭ ‬أميرًا‭ ‬محاربًا‭ ‬مات‭ ‬أبوه‭ ‬باكرًا،‭ ‬وتربى‭ ‬يتيمًا‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬أمه،‭ ‬لمحَ‭ ‬فيه‭ ‬الإمام‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬بن‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬آل‭ ‬سعود،‭ ‬النباهة‭ ‬والذكاء‭ ‬والبأس،‭ ‬فشمله‭ ‬برعايته‭ ‬مع‭ ‬أبنائه،‭ ‬وحضر‭ ‬مجلسه،‭ ‬وحمل‭ ‬سلاحه‭ ‬تحت‭ ‬رايته‭ ‬في‭ ‬حروبه،‭ ‬وتاليًا‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬رجالات‭ ‬الدولة‭ ‬الأوائل،‭ ‬وثقة‭ ‬ملوك‭ ‬السعودية‭. ‬إنه‭ ‬الأمير‭ ‬فهد‭ ‬الفيصل‭ ‬الفرحان،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬شخصية‭ ‬بعيدة‭ ‬النظر،‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تخطيط‭ ‬مدينة‭ ‬الرياض‭ ‬الحديثة،‭ ‬وشوارعها‭ ‬الفسيحة،‭ ‬وميادينها‭ ‬المزدانة‭ ‬بالجماليات،‭ ‬ومشاريع‭ ‬توسعة‭ ‬النطاق‭ ‬العمراني،‭ ‬وهي‭ ‬الخطوات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يفطن‭ ‬لها‭ ‬كثيرون‭ ‬حينها،‭ ‬إما‭ ‬لموقف‭ ‬اجتماعي‭ ‬محافظ،‭ ‬أو‭ ‬محدودية‭ ‬الرؤية‭ ‬وعدم‭ ‬اعتقادهم‭ ‬أن‭ ‬العاصمة‭ ‬ستكون‭ ‬بالحجم‭ ‬الذي‭ ‬هي‭ ‬عليه‭ ‬الآن‭! ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬فهد‭ ‬الفيصل‭ ‬يسافر‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬الأجنبية،‭ ‬ويطلع‭ ‬على‭ ‬أحدث‭ ‬تجاربهم‭ ‬ومصانعهم،‭ ‬ساعياً‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الخبرات‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬السعودية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬تأسيسها،‭ ‬مستفيدًا‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬القيادة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬الملك‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬عبدالعزيز،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬أميرًا‭ ‬للرياض‭ ‬ومهتمًّا‭ ‬بتطوير‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬والحضرية‭.‬

تاريخ‭ ‬ثري‭ ‬للأمير‭ ‬فهد‭ ‬الفيصل،‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬أن‭ ‬يتعرف‭ ‬عليه‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد،‭ ‬ليدركوا‭ ‬ما‭ ‬لفضيلة‭ ‬الانفتاح‭ ‬وبعد‭ ‬النظر‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدول‭ ‬وتطويرها‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬سعودي