اقتصاد الانتباه.. استعادة العقل في عصر الضجيج الرقمي
| ياسر سليم
بينما نندفع بجنون نحو رقمنة كل مفاصل الوجود الإنساني، يبرز تساؤل جوهري يتجاوز حدود التقنية ليلامس جوهر الإدراك: هل نحن من نملك التكنولوجيا، أم أنها باتت تمتلك سعتنا الذهنية؟ في تجربة رائدة لجامعة “ييل” بقرية أوفيّار الفرنسية، تخلّى الطلاب عن هواتفهم أربعة أسابيع، ليكتشفوا أن ما اعتبروه “اتصالا” بالعالم لم يكن سوى “انفصال” عن الذات، وما سموه “بحثا” لم يكن إلا غرقا فيما يُعرف بـ “التعفن الرقمي”.
سيكولوجية التشتت لا تكمن المشكلة في مجرد “استخدام” الهاتف، بل في “حضوره” الطاغي. تشير الدراسات الصادرة عن جامعة “روهر بوخوم” الألمانية إلى أن مجرد وجود الهاتف الذكي في محيط الرؤية، حتى لو كان مغلقا، يستنزف جزءا من السعة الإدراكية للفرد؛ فالدماغ يبذل جهدا غير واعٍ لمقاومة الرغبة في تفقد الإشعارات؛ ما يؤدي إلى تراجع في نتائج اختبارات الذكاء والتركيز. إننا نعيش في ظل “اقتصاد الانتباه”، حيث تُدفع المليارات لتحويل الإنسان إلى كائن يعاني “العجز المكتسب”، يقلب الصفحات بلا هدف، مستسلما لخوارزميات تقتات على تشتته.
الرقمنة المفرطة و “الدير التقني” لقد أخطأنا حين ظننا أن رقمنة التعليم هي ذروة التطور؛ فبينما كان الطلاب في الماضي يختفون ساعات بين رفوف المكتبات للغوص في فكرة واحدة، بات طالب اليوم مشتتا بين منصات تسليم الأبحاث وإعلانات الحرم الجامعي على “إنستغرام”. هذا الضجيج الصامت خلق جيلا “مشغولا طوال الوقت، لكنه بلا إنتاج حقيقي”. لذا؛ يبرز طرح “الدير التقني” كضرورة تعليمية ملحة، لا كدعوة للرجعية. نحن بحاجة إلى مسارات أكاديمية “تناظرية” تُعاد فيها الهيبة للقلم والورقة، وتُمنح فيها العقول إجازة قسرية من “الخوف من فوات الأشياء”. تجربة طلاب “ييل” أثبتت أن الانفصال عن الشبكة أدى إلى نوم أعمق، وقراءة أسرع، وتدفق إبداعي مذهل؛ حيث استطاع بعضهم الكتابة ست ساعات متواصلة دون انقطاع، وهو إنجاز يكاد يكون مستحيلا في ظل “تنبيهات” الهواتف.
استعادة الإنسان إن العودة إلى “تنس الطاولة”، و “مراقبة النجوم”، و “الحوارات الطويلة” دون شاشات وسيطة، ليست مجرد أنشطة ترفيهية، بل هي أفعال مقاومة لاستعادة الإنسانية المختطفة. أيضا، فتقليل استخدام وسائل التواصل مدة 30 دقيقة فقط يوميا كفيل بتحسين الصحة النفسية ورفع مستوى الانضباط الذاتي، وهو ما يمثل طوق نجاة، خاصة للطلاب في مواسم الاختبارات. أخيرا، فالمعركة القادمة ليست ضد الذكاء الاصطناعي، بل هي معركة من أجل “الانتباه”. علينا أن ندرك أن القدرة على الخلوة بالنفس وبالفكرة هي المادة الخام لكل إبداع بشري. فهل نجرؤ على منح عقولنا فرصة لتبصر الضوء بعيدا عن غبش الشاشات؟