كثُر المدّاحون: كاونتري بلوغرز

| غسان الشهابي

قبل سنوات قليلة لم يكن في المشهد العام ممن يسمّون “فود بلوغرز” إلا أسماء قليلة، تتنقل من مطعم إلى مطعم لا بقصد تقديم مادة محكّمة عن تجربتهم في المطاعم، من حيث المظهر العام، والنظافة، والأطباق المقدمة، وما ينجح فيه هذا المطعم، وما لا يوفّق فيه، انتهاء بالأسعار طبعًا، بل من أجل الترويج لهذه المطاعم بمبالغ تتراوح بحسب سعر “المؤثّر الأكلي”، وقدرته على تصوير نفسه وهو يزدرد كمية كبيرة من الطعام بنهم شديد، الأمر الذي استسهله كثير من الناس، وانتشر المؤثرون والمؤثرات في هذا الباب حتى ما عادت الكثرة من المتفرجين تصدّق ما يقولون وما يمدحون. قبل أشهر قليلة نلاحظ أمرًا آخر هنا في البحرين، وهو ظهور عدد ليس قليلًا من غير المواطنين الذين يُسرفون في مدح كل ما تقع عليه أعينهم في هذا البلد، ويشيدون - بشكل مبالغ فيه – بأقل التصرفات البحرينية الطبيعية حتى، صحيح أن البعض حدثت لهم قصص واقعية وكان لطف الناس أمرًا لافتًا، بل وتكاد تدمع له العين، ولكن الأمر الذي يخرج عن المألوف هو كثافة المديح، والانبهار غير المبرر، والإشادات في مكانها وفي غير مكانها، وتصوير أنفسهم وهم يتغزلون في شارع من غير أصوات الأبواق، أو في سائق سيارة سمح لآخر بالمرور قبله، أو في ضيافة بسيطة من محل لبيع المخللات، وعلى ذلك فقس، حتى بتّ أشعر أنني في “اليوتوبيا” التي كتب عنها الفيلسوف والمفكر البريطاني توماس مور في القرن السادس عشر، مع أننا بلد اعتيادي، ومواطنون اعتياديون، لنا محاسننا ومساوئنا، تشهد لنا خصالنا الحميدة، وتشهد علينا المحاكم بما تغصّ به من قضايا متنوعة كأي مجتمع آخر في هذا العالم.  جميل أن يثني عليك من “لا مصلحة له” من وراء هذا الثناء، ولكن الثناء، والمديح، والتغزّل، إن زاد عن الحدّ، بات عصيًّا على التصديق، كما لا يمكنك تصديق الـ “فود بلوغرز” وهم يذوبون غرامًا في كل طبق يتذوقونه، من كل مطعم، وهم يرسمون على ملامحهم علامات التلذذ.. والعجب كل العجب ممن يستمتع بهذه الوجبة الثقيلة من الإشادة الصادرة من الـ “كاونتري بلوغرز”، ويصدقها، بل ويكافئ قائلها ومطلقها.