خليفة الشوملي.. المعلّم الذي ربّى جيلاً وبقي في ذاكرته
| إبراهيم النهام
لم يكن التربوي الراحل خليفة حسين الشوملي مجرّد إداري أو معلّم عابر في مسيرة التعليم، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، تُخرّج الإنسان قبل أن تمنحه الشهادة، وتزرع القيم قبل أن تُلقّن المعلومة. عرفته الأوساط التربوية قامة هادئة، عميقة، تؤمن بأن “التربية” جوهر العملية التعليمية، وأن الوطن يبدأ من ضمير أبنائه. في تسعينيات القرن الماضي، حين كان مديرًا لمدرسة الرفاع الشرقي الثانوية، كان حضوره مختلفًا؛ قريبًا من الطلبة، حريصًا على أن تكون المدرسة مساحة لبناء الشخصية والانتماء، لا مجرد فصول دراسية. وكنتُ أحد طلابه في تلك المرحلة، أستذكر كيف كان يتابع أبناءه الطلبة بعين الأب قبل عين المسؤول، ويغرس فيهم احترام الذات، وحب البحرين، والاعتزاز بالعمل والجد. ما ميّز الراحل حقًا أنه لم تنقطع علاقته بطلابه بعد تخرّجهم، فقد كان يحرص على حضور ندواتي في المجالس العائلية، يتابعني، ويفخر بي، ويقدّمني للناس قائلًا: “هذا أحد طلابي”، وكأن نجاح تلميذه امتداد لرسالته، وجزء من إنجازه التربوي. ذلك الاعتزاز الصادق لم يكن موجّهًا لي وحدي، بل كان نهجًا أصيلًا في شخصيته، يؤمن فيه بأن المعلّم الحقيقي يفرح حين يرى ثمرة عطائه في طلابه. كان الشوملي إنسانًا بسيطًا في حديثه، عميقًا في فكره، صادقًا في وطنيته. تحدّث كثيرًا عن الشباب، عن الأخلاق قبل الشهادات، وعن المهارات العملية إلى جانب التعليم النظري، وعن الوحدة الوطنية التي تتسع للجميع. أحبّ المحرق وأهلها، ورأى في مجالسها مدارس قيم وذاكرة وطن. برحيله، فقد التعليم قامةً نادرة، لكن أثره بقي حيًا في القلوب، وفي سِيَر طلابه، وفي كل قيمة زرعها بصمت. هكذا يرحل المربّون العظام... ويبقون.