راشد بن عبدالرحمن الزياني في الذاكرة: رائد التنمية ومؤرّخ البحر والإنسان
| د.محمد الزكري
برز اسم الوجيه راشد بن عبدالرحمن الزياني في المشهد البحريني العام منذ منتصف القرن العشرين، مقترنًا بالمناسبات الوطنية واللقاءات الرسمية، وحاضرًا إلى جانب قيادات البلاد، وفي مقدمتهم حاكم البحرين الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه. ولم يكن هذا الحضور بروتوكوليًا أو عابرًا، بل عكس موقعه المؤثر في مسيرة بناء الدولة الحديثة، لا سيما في المجالات الاقتصادية والمؤسسية. شارك الزياني بفاعلية في المؤتمرات والمعارض والملتقيات الاقتصادية والمصرفية، وكان من الشخصيات التي أسهمت بهدوء واستمرارية في ترسيخ أسس التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البحرين، جامعًا بين الخبرة العملية والرؤية الوطنية بعيدة المدى. وتتجلّى أبعاد شخصيته الفكرية بوضوح في كتابه المرجعي "لمحات من تاريخ الغوص والطواشة"، الذي يُعد من أهم المدونات المتخصصة في تراث الغوص واللؤلؤ في الخليج. لا يقتصر هذا العمل على التوثيق الشعبي أو السرد الوصفي، بل يقدم قراءة تحليلية عميقة تنطلق من منظور اقتصادي شامل، يربط بين المهن البحرية التقليدية والبنى الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي شكّلت المجتمع البحريني قبل النفط. وقد تميّز الكتاب بمنهجية علمية وتنظيم فكري تجاوزا كثيرًا من الأعمال التي تناولت الموضوع من حيث العمق والاتساع.
ويكشف هذا المنجز الفكري أن راشد الزياني لم يكن مجرد تاجر ناجح أو رجل أعمال بارز، بل مثقف اقتصادي وصاحب رؤية تنموية، آمن بأن دراسة التاريخ ليست استدعاءً للماضي فحسب، بل أداة لفهم الحاضر ومفتاحًا لاستشراف المستقبل. وقد أسهم هذا الكتاب في إثراء الدراسات التراثية المعاصرة، وكان من بين المصادر التي استفادت منها الفرق البحثية التي عملت على إعداد ملف مسار اللؤلؤ، المدرج لاحقًا على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ليبقى إرثه حاضرًا ما بقي هذا المسار شاهدًا على تاريخ البحرين البحري.
النشأة والتعليم المبكر: وُلد الراحل راشد بن عبدالرحمن الزياني في المحرق عام 1912، وتلقى تعليمه الأولي في مدرسة الهداية الخليفية، التي تأسست عام 1919 في شمال مدينة المحرق، وكانت أولى المدارس الحديثة المنتظمة في البحرين. عندما كان عمره 16 سنة، تم اختياره في عام 1928 للدراسة ضمن بعثة تعليمية بحرينية مبكرة بتنسيق من السلطات المحلية مع المستشارين البريطانيين المسؤولين عن شؤون التعليم والسياسة في البحرين. كانت البعثة تهدف إلى إعداد كفاءات بحرينية مؤهلة علميًا للعمل مستقبليًا في الإدارة والتعليم والتجارة، بما يتوافق مع احتياجات المجتمع المحلي تحت الإشراف البريطاني. في عام 1928 التحق بالجامعة الأميركية في بيروت (AUB) التي تأسست عام 1866، وهناك اطَّلع على عوالم جديدة من الفكر والعلم. ويُذكر أن أرشيف الجامعة يحتوي على مجموعة كتب سنوية (Yearbook) تغطي الفترة من 1928 إلى الحاضر، وهي مفيدة جدًا لأنها تسجل أسماء الطلاب المسجلين في الجامعة في ذلك الوقت، وكيفية تسجيلهم، وأي نشاطات كانوا يشاركون فيها، مما جعل اسم عبد الرحمن الزياني مدرجًا في الكتاب السنوي للجامعة. العلاقة بالمستشارية البريطانية: خلال عمله المبكر بعد عودته إلى البحرين، رأت المستشارية البريطانية أن الزياني يمتلك الكفاءات اللازمة للعمل في مكاتبها ومشاريعها، وعليه عمل في مكتب المستشار البريطاني تشارلز بلجريف (Charles Belgrave) بين 1940 و1947.
(تولى بلجريف منصب المستشار البريطاني الرسمي للبحرين من 1926 حتى 1957. لعب دورًا محوريًا في إدارة شؤون الدولة، التعليم، الصحة، والتجارة، وكان الزياني جزءًا من فريقه الإداري. بلجريف كان الجهة الرسمية العليا التي نسقت مع البعثة التعليمية البحرينية الأولى إلى الخارج عام 1928. بعد تقاعده، تولى مستشارون بريطانيون لاحقون مهام محدودة حتى استقلال البحرين عام 1971.)
حياته المبكرة والعالمية خلال حياته المبكرة، شهد راشد بن عبدالرحمن الزياني العالم أحداثًا كبيرة: كان طفلاً بين سنتين و6 سنوات أثناء الحرب العالمية الأولى (1914–1918). وشابًا بالغًا بين 27 و33 سنة أثناء الحرب العالمية الثانية (1939–1945). بعد عودته من بيروت وعمله في مكتب المستشار البريطاني، أسس في عام 1947 شركته التجارية الرائدة "عبدالرحمن الزياني وأولاده"، التي بدأت بتجارة الأقمشة والمنسوجات، ثم توسعت لتشمل مجالات متعددة، أبرزها تجارة السيارات. المساهمة الرسمية والمؤسسية: على الصعيد الرسمي والمؤسسي، كان لراشد الزياني حضور في مواقع دستورية وطنية مهمة: عضو في المجلس التأسيسي عام 1973، الذي اضطلع بمهمة إعداد دستور دولة البحرين بعد الاستقلال. عضو في مجلس الشورى لدورتين متتاليتين ابتداءً من عام 1992، مشاركًا في العمل الاستشاري والتشريعي ضمن الإطار الدستوري للدولة. كما كان له دور ريادي في تأسيس البنية الاقتصادية الحديثة، لا سيما في القطاع المصرفي، حيث يُعد من مؤسسي بنك البحرين والكويت، وتولى رئاسة مجلس إدارته لسنوات طويلة، مسهمًا في ترسيخ موقع البحرين كمركز مالي إقليمي. كما ساهم في القطاع الصحي بتأسيس مستشفى البحرين التخصصي، الذي شكّل إضافة نوعية للخدمات الصحية في المملكة.
العمل الإنساني والخيري: شكل الجانب الإنساني والخيري ركنًا أساسيًا في مسيرته: أسس مبرّة راشد عبدالرحمن الزياني الخيرية برأسمال نصف مليون دينار بحريني، لدعم الفقراء والمحتاجين وبناء المساجد. من أبرز مبادراته إعادة بناء مسجد الشيخ عبدالوهاب الزياني في المحرق، تخليدًا لإرث الأسرة في خدمة المجتمع.
نال تقدير الدولة بتكريمه من قبل جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة بوسام البحرين من الدرجة الأولى، تقديرًا لعطائه الوطني والإنساني.
إرثه ووفاته: عند استحضار سيرة راشد بن عبدالرحمن الزياني، يبرز نموذج الرجل الذي جمع بين الفكر والممارسة، الأصالة والمعاصرة، الاقتصاد والتراث والعمل المؤسسي. ترك إرثًا من الاحترام والمحبة، وسيرة وطنية ملهمة للأجيال القادمة. رحم الله راشد بن عبدالرحمن الزياني (1912–2009)، فقد كان أكثر من رجل أعمال أو شخصية عامة؛ كان ذاكرة وطن، وعقل اقتصاد، وقلبًا رحيمًا.
د. محمد الزكري أخصائي تراث وسياحة