اللائحة التي تذوب.. والراتب الذي لا يمس
| أسامة الماجد
إذا كانت الثقافة العربية قبل الجاحظ تخاطب الأذن بالجرس والنغم، فإن اللائحة الداخلية التي تُحاسب النواب الذين يتغيبون عن الجلسات بلا عذر أشبه بعربة الشمع التي تحترق بعيدًا عن الماء. هكذا أحب أن أصوّر الموقف بعد أن التقيت أحد الإخوة النواب مؤخرًا ـــ ليس من زرته في مكتبه ـــ وطرحت عليه سؤالًا عفويًا، لكنه بحجم الحياة الواسعة: أعرف أن هناك لائحة داخلية ترصد غياب وحضور النواب، ولكن هل يتم تطبيق العقوبة على النائب المتغيب عن الجلسة؟ أعني: هل يتم اقتطاع مكافأة أو غيرها؟ أعطاني إجابة أشبه بالكرة الحديدية المربوطة بالأقدام، فهمت منها عدم اقتطاع أي مبلغ من مكافأة أو راتب النائب المتغيب عن الجلسة، بكل شفافية الفكر والذوق! ولست أظن أن بوسع أيّ مواطن أن يفهم هذه المعادلة التي تحمل النقيضين في تركيبة واحدة. فالنائب موظف يخدم الوطن والمواطن، ومثلما له حقوق، عليه أيضًا واجبات. فكيف لا يُحاسَب على تقصيره وغيابه؟ وهل لديه وصفة خاصة ليكتفي بإرسال “مسج” يعتذر فيه عن الحضور، فيستسلم الجميع لإيقاعه ونوره الخاطف؟ السؤال الذي لا يزال ميتًا فوق الأبواب: هل تمّت محاسبة أيّ نائب غاب عن الجلسة باقتطاع من راتبه؟ لا نتكلم عن توبيخ، إنما عن محاسبة فعلية كما في اللائحة. على الأقل حاسبوا هؤلاء المقصرين في المجلس مادام المواطن لا يستطيع محاسبتهم بعد أن انشطر الأمل وتناسل القهر. حاسبوه على غياب جلسة أو جلستين، فهذا سهل. أمّا محاسبته عن غياب أربع سنوات عن أهالي دائرته، وخروجه فقط في المناسبات الرسمية، فهذا مستحيل، لأنه يعرف أن ما في يد أهالي دائرته أداة خرساء.