أنتِ بحرينيتي… هويتي، فكرةُ المعنى، وغرامُ الانتماء
| د.محمد الزكري
هناك لحظات نفيق فيها على هويتنا لا كاسمٍ يُنادى، بل كحضورٍ كامل يمرّ عبر الحواس جميعها. لحظات لا نكتفي فيها بأن نعرف من نحن، بل نشعر بذلك: نرى الوطن في الملامح، نسمعه في اللهجة، نتذوّقه في تفاصيل العيش، ونحمله في نبضٍ لا يهدأ. في مثل هذه اللحظات، لا تكون الهوية فكرة مجرّدة، بل تجربة حيّة تُعاش.
وعيد ميلاد الوطن إحدى تلك اللحظات النادرة؛ زمنٌ تتقدّم فيه البحرين من الجغرافيا إلى القلب، ومن التاريخ إلى الوجدان. يوم تتكثّف فيه الذاكرة، ويصير الفخر فعلًا يوميًا، ويتحوّل الانتماء من شعور صامت إلى صوتٍ واضح في داخلنا.
لكل إنسان حكايته الخاصة مع الوطن؛ رجلًا كان أو امرأة، طفلًا أو صبية. كلٌّ يقتطع سرده الشخصي من السردية الكبرى، ويصوغ فيلمه الخاص الذي أخرجته الحياة فوق هذا التراب. نختلف في التفاصيل، لكننا نلتقي في المعنى، لأن البحرين لا تسكننا بالطريقة ذاتها، لكنها تصنعنا جميعًا.
في هذا اليوم المجيد، لا نكتب احتفاءً عابرًا، بل نكتب فعلَ اعتراف. نُهدي كلماتنا قصيدة حب ووفاء لبحريننا؛ التي تحمل في سمائها تاريخنا، وفي أرضها أحلامنا، وفي قلوبنا تعريفنا الأعمق لأنفسنا. فلنحتفل بروح الوطن، وببحرينيتنا، لا كهويةٍ نرفعها، بل كحياةٍ نعيشها، وحاضنةٍ لكل أحلامنا، ومصدرٍ دائم لفخرنا.
العالم شاهد، ⏤ وقلبي يشهد عليّا. إنكِ مشاعري، ⏤ وأنا ناطق الكلام. إنكِ معزوفتي، ⏤ وأنا عازف الأنغام. أكتبكِ حرفًا على كفّ روحي، ⏤ وأتركه يشبهني، ⏤ ويشبهكِ، وأمسح بكِ جرح الأيّام.
حبّكِ صحاري، ⏤ وإذا مرّ طيفكِ، ⏤ تزهر، ⏤ وتغنّي، ⏤ وتهطل أمطار.
ورملكِ على صدري آية، ⏤ من غيابي، ⏤ من جراحي، ⏤ من حيرة الأسرار.
أنتِ أفكاري، ⏤ كتابي، ⏤ تاريخي، ⏤ علّمتِني كيف أكون إنسانًا. وصار الطريق يناديني فيكِ، ⏤ أمشي فيكِ، ⏤ وأضيع فيكِ، ⏤ وألقى نهايتي بعينيكِ.
حضوركِ حضوري، ⏤ وغيابكِ فَرْضةٌ بلا مراسي.
أنتِ من صاغ لي المعنى، ⏤ تعلمت العبادة، ⏤ وصلاتي، وبدونكِ العالم يفقد المقصد والمعاني.
زرعتِ فيَّ المحبّة، ⏤ حبّ الناس، وسقيتِني الطيبةَ من أجملِ كاس.
هل أقدر أتخيّل؟ تخيّلي سماءً بلا قمر، ⏤ تخيّلي دنيا بلا نخل، ⏤ تخيّلي إنسانًا بلا وطن، ⏤ وتخيّلي وطنًا بلا إنسان.
ما أقدر أتخيّل.
إن غبتِ، ⏤ ناري ما تنطفي، وشوقي يكبّر وسط صدري. وإن عدتِ، ⏤ يرجع لي اسمي، وتولد روحي، ⏤ وينبض عمري.
وسط الزحام أسمع صوتكِ، وسط العالم أعيش علشانكِ. ومعاكِ أتغيّر، ⏤
أنتِ القصّة، أنتِ بحرينيتي، ⏤ أنتِ أمي، ⏤ أنتِ زوجتي، ⏤ أنتِ حبيبتي.
وأنا النتيجة، ⏤ وأنا الأثر، الذي بقي بين أنغامكِ، وبين أنفاسي، يا حياتي.
أنا إنسانٌ فوق ترابكِ.
كل عام وبحرينيتنا بخير