حين نفتش في الصور ونعيد قراءة الرسائل
| إبراهيم النهام
يمضي الإنسان في حياته مؤديًا أدواره بصمت، يُعطي في بيته وعمله، وفي علاقاته الشخصية، دون أن ينتظر جزاءً، أو يطلب اعترافًا. وتمر الأيام، ويغيب التقدير، لا لأن العطاء قليل، بل لأن الألفة كثيرًا ما تُعمي الأبصار عن رؤية الجمال القريب، فتُصبح النعمة مألوفة، والفضل غير مرئي. فكم من زوجةٍ أفنت عمرها في خدمة بيتها، فلم تُذكر بخير إلا بعد أن غاب صوتها عن أركان المنزل؟ وكم من ابنٍ حمل همّ أسرته بصبرٍ، فلم يُحتضن إلا حين غيّبه الموت؟ وكم من زميلٍ كان سندًا في العمل، فلم يُشكر إلا في مجلس عزائه؟ يقول الشاعر الكبير جبران خليل جبران: “لا يعرف الناس قيمة صحتهم حتى يفقدوها، وكذلك لا يعرفون قيمة من يحبون حتى يرحلوا”. في لحظات الوداع، تُقال الكلمات التي تأخرت، وتُذرف الدموع التي لم تنزل في وقت الحاجة. يُصبح الغائب حديث المجالس، وتُروى عنه القصص، ويُشاد بخلقه، وكأن الرحيل الشرط الوحيد للاعتراف بالفضل. إننا لا نُدرك قيمة الأشخاص إلا حين يُصبح وجودهم ذكرى، فنُفتّش في الصور، ونُعيد قراءة الرسائل، ونُصغي لصدى أصواتهم في الذاكرة، وكأننا نحاول أن نُعوّض ما فات. ولعلّ من أشدّ صور الألم أن يُدرك الإنسان بعد فوات الأوان أنه لم يُحسن التقدير، ولم يُعطِ من حوله ما يستحقون من الحب والاهتمام. فكم من قلبٍ نقيّ رحل وهو يفتقر إلى كلمة امتنان، وكم من روحٍ طيّبة غادرت وهي تتمنى لحظة اعتراف. وعليه، فإن التقدير لا يحتاج موتًا، بل يحتاج يقظة قلب. فلنُبادر اليوم، لا غدًا.. لنُعانق من نحب، ونُثني على من يستحق، ونُحيي فيهم شعور القيمة وهم بيننا، فربما بكلمة، نُحيي روحًا، ونُصلح ما أفسدته الأيام.