المحسوبية الأدبية.. الوجه القبيح للثقافة
| هدى حرم
حين تُمنح الشهرة، والجوائز، والدعم النقدي، والتمثيل الثقافي، لأشخاص لا يستحقونها، لا بناءً على جودة أعمالهم، بل بناءً على علاقاتهم الشخصية أو ولائهم لمجموعات أو أفراد في الساحة الأدبية، فهذه هي المحسوبية الأدبية القاتلة للإبداع والمبدعين وجوهر العمل الأدبي القائم على الموهبة والكفاءة. وتتجلّى المحسوبية في الأوساط الأدبية بعدة صور تضيّق الخناق على الكفاءات الحقيقية؛ فتمنح الجوائز الأدبية الكبرى لأعمال متوسطة أو ضعيفة لكتّاب ينتمون إلى “شلة” المحكّمين، أو لهم علاقات قوية مع الجهات المانحة. كما تقوم بعض دور النشر بتسهيل النشر والترويج والدعم لكُتاب دون غيرهم، وتخصيص مساحات نقدية واسعة في الصحف والمجلات لأعمالهم، في حين تُغفل أعمال المبدعين المستقلين. ولا أدل على المحسوبية في الأدب من تعمد إقصاء وتهميش الأصوات الأدبية الجديدة والمستقلة، وحجبها عن المشاركة في الندوات والملتقيات والمهرجانات الثقافية، والعمل في الوقت ذاته على خلق “نجوم” مزيفين عن طريق النفخ الإعلامي في أعمال الكتّاب المدعومين، وخلق شهرة مصطنعة لهم، ما يساهم في تدهور الذائقة العامة. إن انتشار المحسوبية يترك آثارا سلبية عميقة ومدمّرة على الأدب والمجتمع بأكمله لما لذلك من دور في قتل الإبداع، حين يشعر المبدعون الحقيقيون، الذين لا يملكون واسطة، بالإحباط العميق واليأس، ما يدفعهم إلى الكف عن الإبداع وهجرة الكتابة. ناهيك عن تدهور جودة الإنتاج عندما يصبح المعيار العلاقة وليس الكفاءة؛ فيختلط الغث بالسمين، وتتراجع جودة النصوص المنشورة، ما يسيء للغة والرسالة الثقافية. إن تغليب النفاق على النزاهة، يشجع الكتّاب على الانتهازية والنفاق الاجتماعي للحصول على الدعم، بدلا من التركيز على تطوير موهبتهم وعمق تجربتهم. وهنا تتشكل طبقات اجتماعية أدبية مزيفة تحجب الكفاءات الحقيقية عن الجمهور، وتقدم صورة مشوّهة عن واقع الحركة الأدبية. إن مكافحة المحسوبية في الأدب تتطلب صحوة ثقافية شاملة بإعلان معايير واضحة وموضوعية تراعى فيها الشفافية في تقييم الأعمال، سواء في النشر أو الجوائز، مع ضمان حيادية لجان التحكيم. ودعم النقّاد الجادّين والمستقلين الذين يعتمدون المنهجية العلمية والأدبية في تقييمهم، بعيدا عن الإملاءات الشخصية، وتوفير منصات نشر وترويج مستقلة وعادلة تتيح للكتّاب الموهوبين فرصة الوصول إلى القراء بناءً على جودة أعمالهم. كما يجب على القارئ أن يكون الحكم الأخير، وأن يتجاوز الضجيج الإعلامي المصنوع ليبحث عن النصوص الأصيلة والجيدة. إن الأدب الحقيقي هو الذي ينهض على الصدق الفني والجودة الإبداعية، وليس على شبكات العلاقات أو المصالح. وعندما تسود الشفافية، يُكافأ المبدع المستحق، ويزدهر المشهد الثقافي بنصوص تُعلي من قيمة الإنسان والحياة.
كاتبة بحرينية