روح القانون

رسالة إنسانية تسقط وهم الإرهاب

| زهير توفيقي

في زمنٍ يتصاعد فيه العنف، وتُرتكب فيه الجرائم باسم شعارات زائفة، يبرز موقف إنساني نادر ليؤكد أن الإرهاب لا دين له، وأن الكراهية - مهما حاولت التستر - تظل جريمةً مجردة من أي قيمة أخلاقية أو إنسانية.  ما أقدم عليه المواطن السوري المقيم في أستراليا، أحمد، خلال الهجوم الإجرامي المسلح، لم يكن تصرفًا انفعاليًا ولا بحثًا عن بطولة، بل موقفًا أخلاقيًا حاسمًا، واجه فيه القتلة بوعي الإنسان المسؤول، مقدّمًا سلامة الأبرياء على سلامته الشخصية. أصيب إصابة خطيرة في يده، لكنه لم يتراجع، ولم يقف موقف المتفرج؛ لأن الصمت أمام الجريمة، أو الحياد في لحظة الدم، هو شكل آخر من أشكال التواطؤ.  هذا الموقف، في جوهره، يُسقط عمليًا كل محاولات ربط الإرهاب بدينٍ أو ثقافة؛ فالإسلام الذي نؤمن به هو دين حفظ النفس، وصون الكرامة الإنسانية، ورفض العدوان، ولا يمكن أن يُختزل في فعل مجرم أو رصاصة غادرة. وما فعله أحمد هو التعبير الصادق عن هذا المعنى، بعيدًا عن المزايدات والخطابات الانفعالية.  ويكتسب هذا الحدث بعده الأعمق حين يُقرأ في سياق التوجيهات الثابتة لملك البلاد المعظم صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، التي أكدت باستمرار أن نبذ العنف، وترسيخ التعايش بين الأديان، واحترام الإنسان أيًّا كان معتقده، ليست شعارات ظرفية، بل ثوابت وطنية ومبادئ راسخة. وهي الرؤية التي جعلت مملكة البحرين نموذجًا يُحتذى به في الانفتاح الإنساني، وصوتًا عقلانيًا حاضرًا حين يغيب العقل وتُستدعى لغة السلاح. إن التقدير العالمي الواسع الذي حظي به هذا الموقف، وما رافقه من تضامن إنساني عابر للحدود، يؤكد أن العالم - رغم كل ما يمر به - لا يزال قادرًا على التمييز بين الدين والجريمة، وبين الإنسان والإرهاب، وأن الصراع الحقيقي ليس بين أديان أو ثقافات، بل بين قيم الحياة وثقافة الموت.  ومن هذا المنطلق، تؤكد صحيفة “البلاد”، بوضوح لا لبس فيه، أن الوقوف في وجه العنف والإرهاب واجب أخلاقي وإنساني لا يقبل الانتقائية ولا المساومة، وترفض رفضًا قاطعًا أي محاولة لخلط الدين بالجريمة أو تبرير التطرف تحت أي ذريعة كانت. كما ترى أن ترسيخ ثقافة التعايش، وحماية الأبرياء، واحترام كرامة الإنسان، هو الطريق الوحيد لمواجهة التطرف وتجفيف منابعه. الخلاصة.. إن ما قام به أحمد ليس حدثًا عابرًا، بل معيار أخلاقي يجب أن يُحتذى به، ورسالة واضحة بأن الإنسانية، متى ما توافرت الشجاعة، قادرة على إسقاط وهم الإرهاب والانتصار على الكراهية.

‭* ‬رئيس‭ ‬التحرير