الصورة الوطنية للبحرين في احتفال كوالالمبور

| عبدالله بوقس

لم تعد “الصورة الوطنية” مفهومًا تجميليًا أو خطابًا رمزيًا موجّهًا للاستهلاك العام، بل تحوّلت في التجارب الآسيوية إلى أداة استراتيجية تُدار بوعي داخل السياسة الخارجية. فالدول تُقاس اليوم بالصورة التي تبنيها عن استقرارها واتساقها وقدرتها على الالتزام، وهي صورة تُصاغ بالممارسة لا بالخطاب. في جنوب شرق آسيا، يتجلّى هذا الفهم بوضوح. فدول رابطة (آسيان) لا تفصل بين الثقافة والدبلوماسية والاقتصاد، بل تستخدم الهوية الوطنية كمدخل لبناء الثقة قبل توقيع الاتفاقيات. من سنغافورة التي تُقدّم نفسها كدولة نظام وقانون، إلى ماليزيا التي رسّخت صورة الدولة المنفتحة ورافعة التمويل الإسلامي، وصولًا إلى تايلاند وفيتنام، حيث تُستخدم الثقافة والتاريخ كجزء من سردية الدولة الحديثة. في هذا السياق، تصبح الصورة الوطنية أداة تمهيدية تسبق التعاون، لا نتيجة له. ضمن هذا الإطار الآسيوي، وخلال حضوري احتفال سفارة مملكة البحرين في ماليزيا بالأعياد الوطنية، قرأت المناسبة بوصفها حدثًا اجتماعيًا يحمل دلالات أوسع، خاصة مع حضور رجال أعمال ومسؤولين وأعيان ماليزيين. بدت تفاصيل التنظيم والحضور مساحة لبناء انطباع إيجابي يمهّد للتفاعل التجاري والاستثماري والثقافي وقد جرى بناء هذه الصورة عبر تفاصيل مدروسة، شملت إشراك الطالبات والطلبة البحرينيين في الاستقبال بلباسهم التقليدي، وتقديم معروضات تراثية تعبّر عن التاريخ البحري والثقافي، إلى جانب توزيع كتب ومطويات تعريفية توثّق المسار الوطني، وعرض مواد مرئية وأغانٍ وطنية عزّزت البعد الوجداني. ولم تكن هذه العناصر زينة احتفالية، بل أدوات مقصودة لصياغة انطباع متماسك عن الدولة، موجّه في آن واحد إلى جمهور سياسي واقتصادي وثقافي. أهمية هذا النهج تتضح عند ربطه بالواقع العملي للعلاقات الثنائية. فالصورة الوطنية المتماسكة تُستخدم هنا لتهيئة بيئة الثقة، وهي البيئة التي تسمح بتطوير التعاون الاقتصادي. وتشير البيانات الرسمية إلى أن حجم التبادل التجاري بين البحرين وماليزيا بلغ نحو 260  مليون دولار في عام 2024. الرقم بحد ذاته ليس الهدف، بل ما يمثّله من قابلية للنمو حين تُدار العلاقة على أساس الثقة والصورة الإيجابية. وفي هذا السياق، يبرز دور سفير مملكة البحرين لدى ماليزيا د. وليد المانع، ليس فقط في تمثيل العلاقات السياسية، بل في إدارة هذا البعد الرمزي للدبلوماسية، فقد أكد في كلمة الحفل على متانة العلاقات، مقرونًا بالزيارات الملكية والحكومية المتبادلة، وبالانخراط في مسار أوسع بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية وماليزيا نحو مفاوضات تجارة حرة، يعكس انتقال الصورة الوطنية من مستوى التعبير إلى مستوى التوظيف الاستراتيجي. وعليه، يمكن النظر إلى هذا الاحتفال بوصفه جزءًا من رؤية أوسع لإدارة الحضور الخارجي، حيث تُستخدم الصورة الوطنية لبناء الثقة وتمهيد الشراكات في فضاء آسيوي تنافسي. وعندما تُدار هذه الصورة بوعي واستمرارية، تتحوّل إلى أصل سياسي واقتصادي، لا مجرد مناسبة دبلوماسية عابرة. 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬ منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور