البحرين.. الإصلاح الداخلي وخطابات الخارج

| حسن المصطفى

صدر‭ ‬“مرسوم‭ ‬ملكي‭ ‬بالعفو‭ ‬الخاص‭ ‬والإفراج‭ ‬عن‭ ‬963‭ ‬نزيلًا،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬محكومون‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬مختلفة،‭ ‬قضوا‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬الصادرة‭ ‬بحقهم،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬ممن‭ ‬تم‭ ‬تطبيق‭ ‬العقوبات‭ ‬البديلة‭ ‬عليهم”،‭ ‬وذلك‭ ‬تزامنًا‭ ‬مع‭ ‬الاحتفالات‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بمناسبة‭ ‬العيد‭ ‬الوطني،‭ ‬وعيد‭ ‬الجلوس‭ ‬السادس‭ ‬والعشرين‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭.‬

العفو‭ ‬الملكي‭ ‬أتى‭ ‬بهدف‭ ‬“إتاحة‭ ‬الفرصة‭ ‬لمن‭ ‬شملهم‭ ‬العفو‭ ‬للاندماج‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬المسيرة‭ ‬التنموية‭ ‬الشاملة”،‭ ‬وهي‭ ‬“الفرصة”‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها،‭ ‬كي‭ ‬تكون‭ ‬منطلقًا‭ ‬لحياة‭ ‬كريمة‭ ‬ليس‭ ‬لمن‭ ‬شملهم‭ ‬العفو‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬لعائلاتهم‭. ‬الخطوة‭ ‬الملكية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأولى،‭ ‬وليست‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬منهجية‭ ‬يراد‭ ‬منها‭ ‬بعث‭ ‬إشارة‭ ‬بأن‭ ‬“الدولة”‭ ‬ككيانٍ‭ ‬يحميه‭ ‬“الملك”‭ ‬حريصة‭ ‬على‭ ‬سلامة‭ ‬جميع‭ ‬المواطنين،‭ ‬وهي‭ ‬تتعامل‭ ‬معهم‭ ‬بسياسة‭ ‬تتسم‭ ‬بالمرونة‭ ‬والأبوية‭. ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تنفذ‭ ‬فيه‭ ‬القانون،‭ ‬وتطبق‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬المتجاوزين‭ ‬أو‭ ‬المخلين‭ ‬بالنظام،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬دوافع‭ ‬غرائزية‭ ‬انتقامية،‭ ‬أو‭ ‬تتحكم‭ ‬فيها‭ ‬الكراهية‭ ‬والأحقاد،‭ ‬بل‭ ‬تغلِّبُ‭ ‬خطاب‭ ‬البصيرة‭ ‬الذي‭ ‬يروم‭ ‬الإصلاح،‭ ‬ومنح‭ ‬الفرص‭. ‬من‭ ‬هنا،‭ ‬هذه‭ ‬الفرص‭ ‬المتتالية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تهدر،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يساء‭ ‬فهمها،‭ ‬أو‭ ‬يتم‭ ‬تشويهها‭.‬

بعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬والتيارات‭ ‬المأزومة‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأخير‭ ‬افتقادها‭ ‬الواقعية‭ ‬السياسية،‭ ‬تجدها‭ ‬تعيد‭ ‬صياغة‭ ‬خطابها‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مناسبة،‭ ‬ليكون‭ ‬أكثر‭ ‬سوداوية‭ ‬وتحريضًا،‭ ‬مغلفًا‭ ‬بتعابير‭ ‬تدعي‭ ‬فيها‭ ‬مصلحة‭ ‬المواطنين،‭ ‬فيما‭ ‬هي‭ ‬متخشبة‭ ‬في‭ ‬مربعها‭ ‬الأول‭ ‬لا‭ ‬تبرحه،‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬غير‭ ‬متنبهة‭ ‬للمتغيرات‭ ‬الواسعة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط.

هذه‭ ‬الخطابات‭ ‬التي‭ ‬يأتي‭ ‬أكثرها‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬الحدود،‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬تقديم‭ ‬تصور‭ ‬لعملية‭ ‬التنمية‭ ‬والتطوير‭ ‬وبناء‭ ‬دولة‭ ‬مدنية‭ ‬حديثة،‭ ‬بل‭ ‬تراها‭ ‬مغرقة‭ ‬في‭ ‬التصورات‭ ‬العقدية‭ ‬والرؤية‭ ‬الدينية‭ ‬الضيقة‭.‬

البحرينيون‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭ ‬ووحدة،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬الخطوات‭ ‬الإصلاحية‭ ‬المدعومة‭ ‬بإرادة‭ ‬ملكية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬تنالُ‭ ‬تأييدًا‭ ‬واسعًا‭ ‬بين‭ ‬المواطنين،‭ ‬لأن‭ ‬الملك‭ ‬قائدهم‭ ‬ورمز‭ ‬وحدتهم،‭ ‬والبحرين‭ ‬“الوطن”‭ ‬وجهتهم،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬“رياح‭ ‬السموم”‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬رياحٌ‭ ‬فقدت‭ ‬بوصلتها،‭ ‬وآن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تركنَ‭ ‬للتعقل‭ ‬والرشد‭!.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬سعودي