يا عَبْداللهِ... أينَ مُحمَّدُ؟!
| غسان الشهابي
بدا صديقي متضايقًا في جلسته معنا، وعند الاستفسار عن السبب، قال -وكان يعمل في إحدى سلاسل مطاعم الوجبات السريعة - إنّ “مخبرين سريين” ترسلهم الشركة الأمّ بصفتهم زبائن اعتياديين يدخلون الفروع ويطلبون الوجبات، ويسجلون ملاحظاتهم على الاحترافية في الاستقبال، ومرونة البائعين، ونظافة المكان، والأجواء العامة، وسرعة تجهيز الوجبة، ناهيك عن جودتها، ومن سوء حظه أنّ تقرير الفرع الذي يعمل فيه لم يكن جيداً.
تذكرت هذه القصة التي تعود إلى أواخر التسعينيات، حينما استقبلت عددًا من الاتصالات والرسائل ممن أعرف ولا أعرف، يعلّقون على مقالي “عبّود... وين حمّود؟!” الذي نشر هنا بتاريخ 27 نوفمبر الماضي، ولم أستغرب إلا من سؤال البعض الاستفهامي المندهش والمتفاجئ: “أين حدث هذا؟ وفي أية دائرة رسمية؟ ومتى؟ ومن هم هؤلاء الموظفون؟”، وجملة من الأسئلة “التحقيقية” دُهشت لطرحها.
فليس القصد من المقال الإشارة إلى حدث فردي منعزل يبيّن عدم احترافية موظفين معينين في مكان بعينه، ولكنه سلوك عام، ليس وليد هذه الألفية، بل إن الحديث عنه ممتد منذ عقود طويلة، لاكته الألسن، وسُكبت فيه أحبار كثيرة، وملئت به ساعات بث تلفزيونية وأفلام سينمائية، ومسرحيات لا حصر لها، تناولت سلوك الموظفين بشكل عام، ناهيك عن تقارير دولية تشير إلى ضعف إنتاجية موظفي القطاعين العام والخاص في دولنا، فكأنّ من يطرح هذه الأسئلة مستغرب لا يعيش معنا في المجتمع، ولم يقصد يومًا مؤسسات ليرى فيها بعض ما قلت، لأعود وأؤكد أن ليس المقصود هنا “الجميع”، ولكن الأمر موجود وملاحظ ومتكرر ومستمر، فأنا قضيت السنوات الأخيرة أعمل في قطاع عام وشهدت المخلصين المتفانين، والكسالى المتسيبين في العمل، وما بينهما.
لاشك أن الخدمات العامة في تحسن مستمر، ومن يتذكر طوابير الأمس لا يقارنها بأتمتة اليوم، ولكن هذا لا يمنع أبدًا استقصاء تجارب المراجعين لأنهم (كما في شروط الحديث المتواتر) يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، ويعزز ذلك بـ “مخبرين سريين” يقيسون الاحترافية والانضباط وسرعة الأداء وجودته، كطالبي الوجبات السريعة!.
كاتب بحريني