تحولات استراتيجية الأمن القومي الأميركي
| كمال الذيب
تضمنت الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأميركي تغيرات جوهرية في النظرة الأميركية نحو جوانب عديدة، تنبئ بتحولات كبيرة خلال الفترة المقبلة، حيث تؤكد هذه الاستراتيجية توجهات أساسية من أبرزها:
أولا: الترجمة العملية لشعار “أميركا أولاً” بالتركيز على النظرة الاقتصادية الواقعية، لجلب المصالح، بعيدًا عن التنظير الآيديولوجي الليبرالي، بدءًا باعتبار الصين خصمًا حضاريًا شاملاً، والتركيز على التنافس التكنولوجي والاقتصادي، للحد من الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية الصينية. واعتبار روسيا خصما، دون أن تشكل خطرا وجوديا، والنظر إلى أوروبا على أنها كيان ضعيف وشريك متدني الأهمية (بعد نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ). ووصفت الوثيقة أوروبا بأنها تواجه “فناءً حضارياً” بسبب سياسات الهجرة المفتوحة، وانخفاض معدلات المواليد، والاتجاه المتزايد نحو “قمع حرية التعبير والمعارضة السياسية”. وفي المقابل تدعم الاستراتيجية الأحزاب الأوروبية “الوطنية” ذات التوجهات اليمينية، بهدف تغيير المسار السياسي للقارة من الداخل.
ثانيًا: العمل على إحياء (مبدأ مونرو) فيما سمي بـ (ملحق ترامب) لضمان الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الأرضية الغربي، وتحويل التركيز من أوروبا والشرق الأوسط إلى النصف الغربي من الكرة الأرضية وشرق آسيا. والتركيز على الأمن الداخلي والحدود، واعتبار الهجرة نوعا من الغزو الخارجي يجب التصدي له بكل قوة، وبكل الوسائل، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة.
ثالثًا: التحول من حروب الاستنزاف طويلة الأمد والمكلفة (مثل غزو العراق وأفغانستان) إلى العمل على فرض السلام بالقوة من خلال ضربات سريعة وموجعة ورادعة، والتخلي عن لعب دور شرطي العالم والاستفراد بالقوة غير المجدي والمنهك على صعيد التكلفة المادية والعسكرية. والتعايش مع مبدأ عالم متعدد الأقطاب تكون فيه أميركا الأقوى، من منظور المصلحة القومية الاقتصادية والأمنية، والتقليل من أهمية التوسع المستمر لحلف الناتو، ودفع أوروبا إلى تقليل اعتمادها العسكري على أميركا.
باختصار، ومقارنة بالاستراتيجيات السابقة، فإن هذه الاستراتيجية الجديدة تمثل تحولاً جذريًّا نحو الواقعية الجيوسياسية، بالتركيز على المصالح الاقتصادية والأمنية المباشرة للولايات المتحدة الأميركية، وتجاوز النظام العالمي القائم على القانون والقواعد المستقرة، ووضع أميركا فوق الالتزامات الدولية، والعودة إلى نوع من الحمائية الجديدة، بما يعيد تعريف الدور العالمي للولايات المتحدة.
كاتب وإعلامي بحريني