بين الحماية والإقصاء: هل تبيع أستراليا أطفالها “وهمًا” رقميًّا؟

| ياسر سليم

في‭ ‬مقالي‭ ‬السابق‭ ‬الخميس‭ ‬الماضي‭ ‬حول‭  ‬قيام‭ ‬أستراليا‭ ‬بحظر‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عمن‭ ‬هم‭ ‬دون‭ ‬السادسة‭ ‬عشرة،‭ ‬وصفت‭ ‬القانون‭ ‬بأنه‭ ‬“لغز‭ ‬محير”‭.‬

‭ ‬اليوم،‭ ‬ومع‭ ‬وصول‭ ‬الصدى‭ ‬إلى‭ ‬أروقة‭ ‬اليونيسف‭ ‬ببيانها‭ ‬الأخير‭ ‬الصادر‭ ‬مؤخرًا،‭  ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الزلزال‭ ‬لم‭ ‬يسفر‭ ‬عن‭ ‬أرضية‭ ‬صلبة،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬تصدعات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬“الحماية‭ ‬عبر‭ ‬المنع”‭.‬

‭ ‬فبينما‭ ‬كان‭ ‬الجدل‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬“متى‭ ‬نحمي؟”،‭ ‬صار‭ ‬السؤال‭ ‬الآن‭: ‬“هل‭ ‬نحمي‭ ‬فعلاً،‭ ‬أم‭ ‬أننا‭ ‬بصدد‭ ‬دفع‭ ‬الجيل‭ ‬الصغير‭ ‬إلى‭ ‬غياهب‭ ‬الويب‭ ‬المظلم؟”‭.‬

لقد‭ ‬خرجت‭ ‬اليونيسف‭ ‬عن‭ ‬صمتها‭ ‬لتقول‭ ‬ما‭ ‬يخشاه‭ ‬الخبراء‭: ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬“ترف”‭ ‬ترفيهي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬شريان‭ ‬الحياة‭ ‬الافتراضي‭ ‬لجيلٍ‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬حدودًا‭ ‬بين‭ ‬واقعه‭ ‬الفيزيائي‭ ‬وانتمائه‭ ‬الرقمي‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬حظر‭ ‬هؤلاء‭ ‬اليافعين‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬وقائي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الاغتراب‭ ‬القسري‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يحرم‭ ‬الفئات‭ ‬الهشة‭ ‬والمهمشة‭ ‬من‭ ‬مساحات‭ ‬التعلم‭ ‬والتعبير،‭ ‬ليتحول‭ ‬“المنع”‭ ‬من‭ ‬درعٍ‭ ‬إلى‭ ‬قيد‭.‬

تكمن‭ ‬المعضلة‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬“فعالية‭ ‬الحظر”،‭ ‬نحن‭ ‬بصدد‭ ‬مواجهة‭ ‬جيلٍ‭ ‬يمتلك‭ ‬مهارات‭ ‬تقنية‭ ‬تتفوق‭ ‬على‭ ‬المشرعين‭ ‬أنفسهم؛‭ ‬فإغلاق‭ ‬الأبواب‭ ‬الأمامية‭ ‬للمنصات‭ ‬الكبرى‭ ‬لن‭ ‬يعني‭ ‬سوى‭ ‬هجرة‭ ‬جماعية‭ ‬نحو‭ ‬أقبية‭ ‬رقمية‭ ‬أقل‭ ‬تنظيمًا‭ ‬وأكثر‭ ‬خطورة،‭ ‬حيث‭ ‬تغيب‭ ‬الرقابة‭ ‬وتتوغل‭ ‬الخوارزميات‭ ‬المظلمة‭. ‬

هنا،‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬استبدلنا‭ ‬خطرًا‭ ‬مرئيًّا‭ ‬يمكن‭ ‬تدجينه،‭ ‬بخطرٍ‭ ‬خفيّ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تتبعه‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يمثل‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الهروب‭ ‬التشريعي‭ ‬إلى‭ ‬الأمام؛‭ ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬إجبار‭ ‬“أباطرة‭ ‬السيليكون”‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬مفهوم‭ ‬“الأمان‭ ‬بالتصميم”،‭ ‬وإعادة‭ ‬هندسة‭ ‬الخوارزميات‭ ‬لتكون‭ ‬صديقة‭ ‬للنمو‭ ‬النفسي،‭ ‬اختارت‭ ‬الحكومة‭ ‬إلقاء‭ ‬العبء‭ ‬كاملًا‭ ‬على‭ ‬كاهل‭ ‬الأسر‭. ‬

إننا‭ ‬نطلب‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬اليوم‭ ‬القيام‭ ‬بمهمة‭ ‬مستحيلة‭: ‬مراقبة‭ ‬شفرات‭ ‬برمجية‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬أحد،‭ ‬وإدارة‭ ‬سلوك‭ ‬رقمي‭ ‬عابر‭ ‬للحدود،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يغسل‭ ‬المطورون‭ ‬أيديهم‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬خلف‭ ‬جدار‭ ‬“المنع‭ ‬القانوني”‭.‬

إن‭ ‬الحل‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬إطفاء‭ ‬الأنوار،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬الإضاءة‭. ‬يحتاج‭ ‬أطفالنا‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬رقمية‭ ‬تحترم‭ ‬حقوقهم‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تحميهم‭ ‬من‭ ‬الاستغلال‭.‬

‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬المعركة‭ ‬من‭ ‬“حظر‭ ‬الوصول”‭ ‬إلى‭ ‬“فرض‭ ‬المسؤولية”‭ ‬على‭ ‬المنصات‭ ‬لتصبح‭ ‬مساحات‭ ‬آمنة‭ ‬فطريًّا،‭ ‬وليست‭ ‬ساحات‭ ‬تتطلب‭ ‬حراسة‭ ‬مشددة‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬فإن‭ ‬حماية‭ ‬الأطفال‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬إقصاءهم‭ ‬من‭ ‬العصر‭ ‬الذي‭ ‬ينتمون‭ ‬إليه،‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬بناء‭ ‬جسور‭ ‬آمنة‭ ‬يعبرون‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭.‬

‭ ‬إننا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الطفل‭ ‬كـ‭ ‬“صاحب‭ ‬حق”‭ ‬لا‭ ‬كـ‭ ‬“موضوع‭ ‬للمنع”،‭ ‬فالحماية‭ ‬الحقيقية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬ينتهي‭ ‬“وهم‭ ‬الإغلاق”‭ ‬وتبدأ‭ ‬استحقاقات‭ ‬التصميم‭ ‬الآمن‭.‬

 

‭*‬كاتب‭ ‬مصري‭ ‬وخبير‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الرقمي