تأملات في حب البحرين
| أحمد جعفر
مؤشرات دولية للنهضة التنموية في البحرين تؤكد تقدم جودة الحياة وتمحور التنمية حول قدرات المواطن وطاقاته رؤية البحرين الاقتصادية 2030 تمثل بناء الإنسان المنتج وتعزيز التنوع الاقتصادي والانفتاح على التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي تقدير وامتنان لجلالة الملك المعظم وسمو ولي العهد رئيس الوزراء على مسيرة وطنية عززت مكانة المملكة عالميافي السادس عشر والسابع عشر من ديسمبر من كل عام، تحتفل مملكة البحرين بالعيد الوطني المجيد وعيد جلوس حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وهي مناسبة نقف عندها نتأمل معاني الوطنية وحب هذا الوطن العزيز. إن جوهر الوطنية لا يقتصر على الشعارات التي تُرفع في مثل هذه المناسبات؛ بل هو إدراكٌ عميق بأن الإنسان لا يكتمل إلا بجذوره وتاريخه وهويته. فالوطن ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو الامتداد الطبيعي لأبنائه، وملاذ هوية الفرد وذاكرته، وأن التقدم الوطني جزء لا يتجزأ من تقدّم الإنسان ذاته، وأن ازدهار الوطن ينعكس بالضرورة على مستقبل أبنائه. وفي العقود القليلة الماضية، خطت البحرين خطوات متسارعة نحو تعزيز جودة حياة الإنسان، وهو ما تؤكده المؤشرات الدولية التي وضعت المملكة ضمن فئة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، بما يعكس تطور قطاعات التعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة. وهذه المنجزات تؤكد أن التنمية في البحرين تتمحور حول طاقات المواطن وقدراته العلمية والمعرفية، بما يتجاوز مشروعات البُنى التحتية والعمرانية. وإذا كانت رؤية البحرين الاقتصادية 2030 قد أرست دعائم التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعًا، فإن أحد أهم ركائزها كان وما يزال بناء إنسان قادر على الإبداع والمنافسة. وهذا ما نشهده اليوم في نمو القطاعات غير النفطية، وانفتاح المملكة على التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وتعزيز موقعها كمركز مالي جاذب للكفاءات ورؤوس الأموال. ومع ذلك، فإن هذه المناسبة تمثل فرصة للتساؤل فلسفيًا: كيف يمكن أن نزرع حب الوطن في نفوس الأجيال الجديدة؟ وكيف نجعل الوطنية شعورًا يلامس الوجدان، وليست مجرد مشاركة في احتفال سنوي؟ إن حب الوطن يبدأ من الصغر، في البيت والمدرسة، ومن التربية على حسّ المسؤولية واحترام القانون والمحافظة على الممتلكات العامة، وغرس قيم التسامح والانفتاح وتقدير كل ما يرتبط بالوطن وقيادته. فجيلة اليوم لا ترغب بسماع الخطب والمواعظ كما كان الحال لدى الأجيال السابقة؛ بل تنجذب إلى الأفعال الملموسة التي تقوم على حرية التفكير وتعددية الآراء وإعلاء قيمة الإنسان. ومن هنا تبرز أهمية القدوات الحسنة في زمنٍ يغلب فيه الغث على السمين داخل فضاء افتراضي مفتوح، يتأثر به الكبير قبل الصغير. ولأن الوطنية في جوهرها فكرة، والفكرة لا تستقر في العقول إلا عبر الوعي، فإن أعظم ما يمكن تقديمه للأجيال الجديدة هو منحها المساحة للتفكير والفهم قبل الحفظ والترديد. في يوم البحرين الذي تتوهج فيه معاني الولاء والانتماء، نؤكد أن الوطن لا يُختزل في أرض وتراب، بل هو منظومة قيم داخل إطار لغوي واجتماعي وثقافي، تجعل الإنسان يشعر بأنه جزء من معنى أكبر من ذاته الفردية. وكما قال أحد الفلاسفة: “الوطن ليس ترابًا نعيش عليه، بل روح تعيش فينا”، فالوطن قيمة تُسكننا قبل أن نسكنه، وجدانٌ يشكل امتداد وجودنا وتاريخنا، والمكان الذي يحتضن ذكرياتنا وحقوقنا وكرامتنا. وفي لحظة الاحتفاء بالوطن وقيادته، نرفع أسمى آيات الولاء والعرفان إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المفدى حفظه الله ورعاه، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، تقديرًا لمسيرة وطنية رسّخت مكانة البحرين إقليميًا ودوليًا، وفتحت أمام أبنائها آفاقًا واسعة للعلم والعمل والازدهار. ولا يفوتنا أن نستذكر العطاء المخلص للمغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، الذي بقيت بصماته راسخة في مسيرة نهضة الوطن وتطوير مؤسساته. وفي هذا الإطار، نظل على العهد، نعمل ونُنتج ونزرع محبة البحرين في نفوس أبنائنا كما ورثناها عن آبائنا، لتبقى المملكة قصة عزّ وفخر تمتد من جيل إلى آخر، تكتبها الأفعال قبل الكلمات، وتُخلّدها القيم الوجدانية قبل الاحتفالات الرسمية.