مسيرة التنمية وصناعة المستقبل

| د.حورية الديري

‭ ‬رسّخ‭ ‬العهد‭ ‬الإصلاحي‭ ‬رؤية‭ ‬واضحة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬جيل‭ ‬يمتلك‭ ‬الثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬تحولت‭ ‬من‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭ ‬إلى‭ ‬قائد‭ ‬في‭ ‬صناعتها،‭ ‬بفضل‭ ‬الرؤية‭ ‬الملكية‭ ‬الداعمة ‭ ‬تؤكد‭ ‬التجربة‭ ‬البحرينية‭ ‬أن‭ ‬النهضة‭ ‬مسار‭ ‬تراكمي‭ ‬يصنعه‭ ‬وعي‭ ‬المجتمع‭ ‬وتبنيه‭ ‬لمشروع‭ ‬الدولة

 تأتي مناسبة الأعياد الوطنية محطة للاحتفاء بذكرى عزيزة في الوجدان البحريني، وأصبحت في الوعي العام لحظة مراجعة وقراءة معمّقة لمسار العهد الإصلاحي الذي قاده جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، وما حمله من تحولات نوعية في بنية الدولة والمجتمع وصناعة الإنسان البحريني. إنّ تتبّع هذا المسار يكشف أنّ المملكة انتقلت من مفهوم التنمية بمعناه التقليدي إلى التنمية الشاملة التي تمسّ بنية الوعي وتستثمر في قدرات المواطن، وتُصاغ وفق رؤية متوازنة تجمع بين الحداثة والهوية، وبين الطموح والواقعية. منذ بواكير المشروع الإصلاحي، كان الإنسان البحريني في محور التنمية، ماضيًا في خط تصاعدي نحو بناء منظومة اجتماعية قادرة على الاستجابة للتغيير، وعلى تحويل التحديات إلى فرص. ويظهر هذا بوضوح في مسار التعليم، وتمهين الشباب، ورعاية المرأة، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتطوير البيئة التشريعية التي تحمي مكتسبات التنمية. فعلى مستوى التعليم وتنمية القدرات، لم تعد البحرين تكتفي بتطوير البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، بل ذهبت أبعد نحو إعادة تعريف وظيفة التعليم في عصر تتغير فيه المعرفة بوتيرة متسارعة. فبرزت مبادرات التمكين الرقمي، والتعلّم النوعي، والاهتمام المبكر بالموهبة والابتكار، ليصبح الطالب البحريني اليوم جزءًا من منظومة إنتاج المعرفة، لا متلقّيًا سلبيًا لها. كما أُعيدت صياغة العلاقة بين الجامعات وسوق العمل، وباتت المؤسسات الأكاديمية جزءًا من صناعة السياسات العامة، لا مؤسسات تعليمية فقط. أما في تمكين الشباب، فقد رسّخ العهد الإصلاحي رؤية واضحة تقوم على بناء جيل يمتلك الثقة بالنفس والقدرة على المنافسة، متكئًا على منظومة داعمة تشمل ريادة الأعمال، وبرامج تنمية المهارات، والتحول نحو اقتصاد مرن يقوم على الابتكار. وفي السنوات الأخيرة، استطاعت البحرين أن تقدم نموذجًا خليجيًا متقدمًا في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وفي تحفيز المبادرات الشبابية ذات الأثر الاجتماعي، ما رسّخ ثقافة المشاركة الفاعلة بدلًا من الاعتماد والاتكالية. وتأتي المرأة البحرينية في قلب هذا المشروع، فقد تحولت من شريك في عملية التنمية إلى قائد في صناعتها، بفضل الرؤية الملكية الداعمة، والعمل المنهجي الذي يقوده المجلس الأعلى للمرأة. ونجحت البحرين في بناء نموذج تنموي يوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الطموح والواقع، فحققت المرأة حضورًا مؤثرًا في التشريع، والدبلوماسية، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، وهو حضور يستند إلى كفاءة لا إلى مجاملة. وعلى المستوى الاجتماعي، برزت قيمة اللُّحمة الوطنية باعتبارها الأساس الصلب الذي انطلق منه العهد الإصلاحي. فقد حافظت البحرين، رغم كل المتغيرات الإقليمية، على نموذج التعايش والاعتدال، وجعلت من التسامح مبدأ مؤسسيًا يتجسد في السياسات العامة، وفي التشريعات، وفي نمط الحياة اليومي. ويمثل هذا الإرث أحد أهم العناصر التي حمت الإنجازات التنموية ومنحتها استدامتها. وقد شهد العقد الأخير قفزة نوعية في الحوكمة وجودة الخدمات العامة، إذ انتقل العمل الحكومي من خدمة المتلقي إلى منهجية قائمة على قياس الأداء، وتطوير النظم الرقمية، وتحسين تجربة المواطن والمقيم. وهذا التحول عزّز تنافسية الاقتصاد الوطني، ورفع من جاذبية البحرين للاستثمارات النوعية، وفتح آفاقًا جديدة أمام القطاع الخاص ليكون شريكًا حقيقيًا في التنمية. وفي عمق هذا المسار، تتجلى رؤية جلالة الملك المعظم لمستقبل البحرين: دولة حديثة، يقود تطوّرها إنسان قادر على التعلّم والتكيّف والابتكار. لذلك جاءت الخطط الوطنية — من رؤية البحرين الاقتصادية 2030 إلى مشاريع التحول الرقمي  لتجعل التنمية مشروعًا مستدامًا، يوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين بناء المؤسسات وصيانة الهوية. إن الاحتفال بالأعياد الوطنية هو تجديد للعهد مع قيم الريادة والإصلاح. ومع مرور أكثر من عقدين على انطلاق المشروع الإصلاحي، تؤكد التجربة البحرينية أن النهضة مسار تراكميًا يصنعه وعي المجتمع وتبنيه لمشروع الدولة. وفي لحظة وطنية كهذه، تبدو البحرين أكثر استعدادًا لمواصلة رحلتها نحو المستقبل: اقتصاد أكثر تنافسية، مجتمع أكثر تماسكًا، ودولة أكثر ازدهارًا إنها رسالة العهد الإصلاحي الذي أراد للإنسان البحريني أن يكون صانع النهضة وغايتها في آنٍ واحد.