البحرين تتقدم.. وفلسفة حكم تعيد تشكيل الدولة

| د. بثينة خليفة قاسم

تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬البحرينية‭ ‬نموذج‭ ‬حضاري‭ ‬لصعود‭ ‬الكفاءات‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬التأثير‭ ‬والقيادة‭ ‬وترسيخ‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬الوطنية رؤية‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬أعادت‭ ‬صياغة‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬وجعلت‭ ‬الإنسان‭ ‬جوهر‭ ‬البناء‭ ‬ومحور‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة العيد‭ ‬الوطني‭ ‬محطة‭ ‬للتأمل‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والبناء‭ ‬وتجديد‭ ‬الالتزام‭ ‬بمواصلة‭ ‬النهضة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬والحرية‭ ‬والعدالة

تقدّم مملكة البحرين خلال العقود الماضية نموذجًا مميزًا لدولة تُصاغ رؤيتها من إرادة واضحة وصادقة. فما شهدته المملكة لم يكن مجرد تغييرات متفرقة، بل تحوّل شامل في منهج إدارة الدولة، انطلق منذ أن اختار حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، أن يعيد تعريف مفهوم الدولة الحديثة؛ دولة تجعل الإنسان محور الاهتمام، وترى في الانفتاح مصدر قوة، وفي تحقيق التوازن بين الحرية والاستقرار أساسًا لمسار مستدام. ولم تكن هذه الرؤية خطابًا سياسيًا عابرًا، بل مشروعًا وطنيًا متقدّمًا أخذ طريقه إلى التنفيذ، أشبه بإعادة قراءة الذاكرة الوطنية بهدف صناعة حاضر أفضل. وقد قدّم جلالته هذه الفلسفة من خلال العمل قبل القول، مستندًا إلى قناعة راسخة بأن العدالة والتنمية والمشاركة المجتمعية عناصر تصنع مجتمعًا قويًا ومتوازنًا. ولعل ارتباط هذه الرؤية بقيم المسؤولية والإنجاز يتجلى في الاستشهاد بالآية الكريمة: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم﴾ التي تؤكد أن بناء الدولة فعل مستمر يقوم على العمل والإخلاص. تميزت المرحلة الإصلاحية في مملكة البحرين بأنها لم تعتمد على مجرّد محصلة المشروعات، بقدر ما اعتمدت على تغيير أسلوب عمل الدولة نفسها. فقد انتقلت المملكة من نمط إداري تقليدي إلى نهج استشرافي يتطلع إلى المستقبل، ويرصد التحولات العالمية، ويبحث عن موقع البحرين المؤثر فيها بثقة ووضوح. ولهذا بات حضور المملكة في الخليج العربي يفوق حدودها الجغرافية، ويعكس حكمة قيادتها وقدرتها على صياغة مقاربات جديدة في الدبلوماسية والأمن والتكامل الإقليمي. أما ميثاق العمل الوطني فلم يكن مجرد وثيقة تنظيرية، بل محطة مفصلية أعادت صياغة العلاقة بين المواطن والدولة. فقد تحولت المشاركة من تعبير نظري إلى ممارسة مؤسسية واضحة، سواء في التشريعات أو العمل الأهلي أو في المجال العام الذي اتسعت دوائره وارتفعت فيه الأصوات. إنه تحول هادئ وعميق يقوم على الإيمان بالإنسان وقدرته على الإسهام في صناعة وطنه. ويبرز تقدم المرأة البحرينية شاهدًا حيًا على هذا التحول. فقد انتقلت من مرحلة المطالبة بحقوقها إلى مرحلة المشاركة الفاعلة، ثم إلى موقع التأثير وصناعة القرار. ولم يكن تمكينها منحة، بل اعترافًا بجدارتها وقدرتها، وهو ما تجسد في حضورها المتقدّم في ميادين القضاء والاقتصاد والدبلوماسية والإعلام. وقد أثبتت التجربة أن الاستثمار في الإنسان، رجلًا كان أو امرأة، هو أساس النجاح الوطني. وتوازت هذه التحولات الاجتماعية مع نهضة اقتصادية أعادت تشكيل نموذج الاقتصاد البحريني. فالتنمية لم تعد محصورة في المؤشرات الرقمية، بل أصبحت مشروعًا لتجديد دور الدولة في الأسواق الإقليمية والعالمية. توسّعت البنية التحتية، وتطورت التشريعات، وتعززت بيئة الابتكار وريادة الأعمال، لتصبح التكنولوجيا والمعرفة ركيزتين أساسيتين في بناء الاقتصاد الجديد. إنها رؤية تقوم على استباق المتغيرات لا انتظارها. وفي ميدان الأمن والدفاع، تقدمت مملكة البحرين خطوات كبيرة بفضل إدراك القيادة بأن الاستقرار يُصنع كل يوم. فقد شهدت قوة دفاع البحرين والأجهزة الأمنية عملية تحديث مستمرة مكّنتها من التعامل بثقة مع تحديات المنطقة، ورسّخت دور المملكة شريكًا موثوقًا في منظومة الأمن الخليجي والعربي. كما احتل التعليم والثقافة موقعًا مركزيًا في هذه المسيرة. فقد حملت البحرين رؤيتها إلى العالم عبر مبادرات دولية، أبرزها جائزة اليونسكو – الملك حمد بن عيسى آل خليفة، التي رسخت مكانة المملكة في الابتكار التعليمي والتحول الرقمي. وفي الوقت ذاته، حافظت المملكة على هويتها الثقافية، ودعمت الفنون، واعتنت بتراثها ليظل حاضرًا في المشهد العالمي. وتقف البحرين اليوم أمام مشهد يؤكد ثقتها بذاتها، ووضوح اتجاهها، ووعيها بتحدياتها. فهي دولة لا تُعرّف حدودها بجغرافيتها، بل بنشاطها الفاعل في محيطها الخليجي والعربي والدولي، وبقدرتها على التأثير عبر التعاون والاعتدال واحترام المواثيق. ومع حلول اليوم الوطني، تبدو المملكة ماضية نحو مستقبل أرحب، مستندة إلى ما تحقق، ومؤمنة بأن الإنسان هو جوهر التنمية. لقد أثبتت التجربة الإصلاحية أن الدولة التي تمنح شعبها مساحة من الحرية والعمل والعدالة، تبني نهضتها بثقة، وتتجدد عامًا بعد عام بقوة رؤيتها وصدق إرادتها.