الدان الحضرمي.. صوت الحياة وسط الركام
| د. بثينة خليفة قاسم
ليس إدراج "الدان الحضرمي" ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى منظمة اليونسكو خبراً عادياً أو ومضة ثقافية عابرة، بل لحظة فارقة لفنٍ ظلّ يبحث عن الفرح في قلب منطقة أنهكتها الحرب.
إنه اعتراف عالمي بتجربة إنسانية غنّت وسط أقسى الظروف التي مر بها اليمن، وظلت متمسكة بالحياة رغم كل ما يحيط بها من خراب.
في حضرموت، حيث تمتزج الذاكرة بالصوت، وحيث يُتداول الشعر بوصفه طقساً جماعياً حيّاً، يتجاوز "الدان" كونه لوناً موسيقياً ليصبح رابطاً إنسانياً عميقاً. فهو ليس مجرد غناء، بل تجربة وجدانيه واجتماعيه متكامله، تتشكل من الشعر واللحن وتناوب الأصوات، وتُؤدى في جلسات يتساوى فيها الجميع، دون نجم أو بطل، ودون مسرح أو استعراض. هناك، تُستعاد الذكريات، وتُقال الكلمات لتضميد ما تكسّر في الداخل.
وسط مشهد يمني تتقدّم فيه صور الدمار، ظلّ الدان الحضرمي صامداً، محتفظا بإيقاعه، كأنّه يعلن رفضه لأن تسمح الذاكرة بأن تُهزم.
في هذه القدرة على الصمود تكمن جماليته الأعمق، فالفن الذي يولد من وجدان الناس لا يُقهر بسهولة. قد تسقط المباني، وقد تُطفأ الأضواء، لكن الأغاني التي تسكن الصدور تبقى عصيّة على المحو.
اعتراف اليونسكو بهذا الفن هو اعتراف بحضرموت بوصفها فضاء ثقافيا نابضا ، وباليمن كبلد لا يمكن اختزاله في صورة الحرب وحدها.
إنّه تذكير بأن اليمن، رغم جراحه، لا يزال يمتلك رصيدا حضاريا يستحق الاحتفاء العالمي، وهوية أعمق بكثير من عناوين الأخبار السياسية والأرقام الإنسانية القاسية.
ويكتسب هذا الإنجاز أهميته أيضاً من كونه ثمرة جهد مؤسسي طويل، شاركت فيه وزارة الثقافة، ومؤسسة حضرموت للثقافة، إلى جانب خبراء وممارسين آمنوا بأن صون التراث ليس ترفا، بل ضرورة وجوديه. فحين يُحمى الفن، تُحمى الذاكرة، وحين تُصان الذاكرة، تبقى المجتمعات قادرة على النهوض من جديد عندما يصمت صوت السلاح.
"الدان"، في جوهره، حوار مفتوح بين الأصوات، وبين الماضي والحاضر. وهو من أقدم أشكال الغناء العربي، ارتبط بالشعر والأسواق والجلسات الجماعيه، وتطوّر عبر قرون طويلة دون أن يفقد روحه الأولى. إدراجه اليوم ضمن التراث الإنساني يمنحه ما يستحقه من تقدير، ويضعه تحت مظلة حماية دوليه تقيه من النسيان أو التشويه.
وفي عمقه الإنساني، يجسّد " الدان" مفارقة مؤثرة: فرح يولد في زمن الألم، وصوت جماعي يعلو فوق ضجيج الحرب. قوته لا تكمن في إنكار المعاناة، بل في الاعتراف بها من دون الاستسلام لها. إنّه يغنّي، لا هروبا من الواقع، بل تأكيدا على أن الحياة لا تزال ممكنة.
من هنا، لا يبدو الاعتراف الأممي بـالدان الحضرمي انتصارا لليمن وحده، بل رساله كونيه تؤكد أن الثقافة قادرة على تجاوز الحروب، وأن الذاكرة الإنسانية أوسع من الصراعات، وأن الفنون الصادقة، مهما حوصرت، تجد دائما طريقها إلى الضوء.