فرص لصون الحضارة المستقبلية
| د. نوال الدوسري
كيف سيكون شكل العالم لو أصبحت الثقافة جزءا من عملية صنع السياسات، وتم دمجها في السياسات العامة بهدف الحفاظ على التراث المادي، (أي من الجوانب المادية من الهوية الثقافية)، وغير المادي (أي الممارسات والعادات المرتبطة بالثقافة).
ومن ضمن المتغيرات الغامضة، هي القيم المجتمعية، فالأنظمة والتوجهات العالمية الكبرى، تسعى لإعادة تحديد الأهداف الإنسانية، منها التراث والثقافة.
الثقافة هي قلب هويتنا النابض وهي التي تميزنا عن غيرنا، والحفاظ على التنوع والثراء الثقافي يضمن إدراك أجيال المستقبل في جميع أنحاء العالم لجذورها الثقافية وفهمها، ويمكن من خلال المبادرات التعليمية، والاستخدام الاستراتيجي للتقنيات الرقمية الهادفة لتعزيز الوصول الى الأرشيف الثقافي، أن نصمم قدرة الأجيال القادمة على فهم واكتساب المعرفة، ونعزز انفتاح المجتمعات على بعضها ومراعاتها للاعتبارات الثقافية.
حافظت أوروبا وأمريكا الشمالية منذ عام 2016م على صدارتها العالمية، تليها اسيا والمحيط الهادي أما على مستوى الدول، إيطاليا والصين وألمانيا واسبانيا والهند والمكسيك وبريطانيا وروسيا فلديها أكبر عدد من المواقع المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، في حين أن الدول العربية تسجل أكبر نسبة من المواقع التراث العالمي المعرضة للخطر والتي تبلغ 41%، تليها إفريقيا.
جاء الاعتراف لأول مرة بالثقافة كعنصر أساسي لتحقيق التنمية المستدامة، من خلال أهداف التنمية المستدامة، لاسيما في المدن (كما يوضح الهدف 11.4% من أهداف التنمية المستدامة).
كما تم توزيع دور الثقافة في تحقيق باقي أهداف التنمية المستدامة ضمن أربعة محاور، هي: (البيئة والقدرة على الصمود، والازدهار وسبل العيش، والمعرفة والمهارات، والدمج والمشاركة).
وما بين عامي 2017 و2019، أدت الجهود التعاونية التي شملت عدد من المؤسسات والمختصين إلى صياغة المسودة الأولى من مؤشرات قياس الثقافة، الموزعة حسب المحاور السابقة، ضمن أجندة 2030، وهذا الإطار الجديد لقياس وجمع البيانات الثقافية يعد عاملا أساسيا لدعم الثقافة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ودمج منهج العمل القائم على الأدلة في خطط وسياسات التنمية على المستويات الوطنية وضمن أطر عمل الأمم المتحدة للمساعدة الإنمائية.
وتتبنى دول مجلس التعاون والوطن العربي، مبدأ الدبلوماسية الثقافية، ومجموعة من الأساليب التعاونية للحفاظ على تراثها والاحتفاء بالمشهد الثقافي المتنوع فعلى سبيل المثال، وفي عام 2025 حققت البحرين إنجازا ثقافيا مهما بإدراج (البشت البحرين كعنصر من عناصر التراث الثقافي غير المادي في قائمة اليونسكو كما شاركت قطر ملف (الحناء) بالتعاون مع الدول عربية أخرى مثل عمان، والبحرين كتراث ثقافي مشترك، كما تم إدراج (الهريس)، الطبق الشعبي التقليدي لدولة الإمارات العربية المتحدة، على قائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة اليونسكو في عام 2023، أما السعودية، فأدرجت الممارسات الثقافية المرتبطة (بالورد الطائفي وأيضا صناعة وعزف السمسمية)، والذي أبقت عليه في عام 2024.
كما حاز الطبق الكشري للتراث الثقافي المصري للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو، عامنا الحالي 2025 كما حازت دولة الكويت بإدراج الديوانية للتراث غير المادي لليونسكو هذا العام 2025.
وهي تكون فرصة مستقبلية، ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء أطر ثقافية محلية، وتطوير مجموعة أدوات لوضع السياسات لتحديد الجوانب الهامة للتراث الثقافي، خصوصاً عندما تشكل التكنلوجيا جزءاً أساسيا من سياسة جديدة او معدلة تدعم التحول في (الإدارة الذكية للتراث).
ويمكن إدراج الثقافة ضمن عملية صنع السياسات من خلال استخدم التكنولوجيا في إجراء الصيانة الوقائية للمواقع التراثية ومراقبتها، بما يعزز جهود الحفاظ على تلك المواقع الهامة ونشر التراث الثقافي من خلال توسيع نطاق مشاركة أفراد المجتمع في المبادرات الثقافية وزيادة التمويل الحكومي المخصص لها وتطوير برامج التعليم والتوعية وحفظ نسخ رقمية من الآثار والتقاليد التراثية، كل هذه الأمور تؤدي إلى اعتماد مجموعة من السياسات ذات الصلة لتحفيز الشركات على المشاركة في مبادرات الحفاظ على الثقافة، كما يجعل التنوع الثقافي مصدرا لتعزيز القدرة التنافسية والتعاون الدولي والحوار بين الحكومات والتفاهم بين الحضارات.
ومن التحديات قد ينظر البعض إلى الحفاظ على التراث الثقافي على أنه عفا عليه الزمان، أو أنه تمسك بالماضي لتجنب تطوير سياسات مبتكرة لمواجهة الوضع الراهن.
كما تشمل التحديات أيضا عدم القدرة على تحقيق التوازن بين القيم الثقافية العالمية والمحلية.