روح القانون

شوارع تختنق.. وحلول تنتظر إرادة المجتمع

| زهير توفيقي

لم‭ ‬يعد‭ ‬ازدحام‭ ‬الشوارع‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬مجرد‭ ‬انطباع‭ ‬يومي‭ ‬عابر‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬ثقيل‭ ‬يرافق‭ ‬المواطن‭ ‬والمقيم‭ ‬منذ‭ ‬خروجه‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬حتى‭ ‬عودته‭ ‬إليه‭. ‬والمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬جديدة؛‭ ‬فقد‭ ‬تناولناها‭ ‬مرارا‭ ‬وتكرارا،‭ ‬وتناولها‭ ‬غيرنا‭ ‬كثيرون‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬الأزمة‭ ‬تراوح‭ ‬مكانها،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬الزحام‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومنا،‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منه‭ ‬ولا‭ ‬مهرب‭ ‬من‭ ‬تأثيره‭.‬

ورغم‭ ‬الجهود‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تبذلها‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬طرق‭ ‬جديدة،‭ ‬وتوسعة‭ ‬الشوارع‭ ‬القائمة،‭ ‬وبناء‭ ‬جسور‭ ‬حديثة،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الحلول‭ ‬تظل‭ ‬مؤقتة؛‭ ‬فعدد‭ ‬المركبات‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬يتزايد‭ ‬بوتيرة‭ ‬تفوق‭ ‬قدرة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب،‭ ‬وأصبحت‭ ‬كل‭ ‬توسعة‭ ‬للطرق‭ ‬مجرد‭ ‬فاصل‭ ‬قصير‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬شكلها‭ ‬الأول‭.‬

لكن‭ ‬جانبا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬ليس‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالبنية‭ ‬التحتية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بأسلوب‭ ‬إدارتنا‭ ‬لحياتنا‭ ‬اليومية‭ ‬وتنظيمنا‭ ‬لأنشطتنا‭ ‬الاجتماعية‭. ‬وهنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬المجتمع‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الدولة‭.‬

فمن‭ ‬الظواهر‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الطرق‭ ‬–‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نلتفت‭ ‬إليها‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬–‭ ‬تجمع‭ ‬المناسبات‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬عطلة‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع؛‭ ‬حفلات‭ ‬الزواج‭ ‬والاستقبالات‭ ‬الرسمية‭ ‬وما‭ ‬يتبعها‭ ‬من‭ ‬ازدحام‭ ‬حول‭ ‬القاعات‭ ‬والفنادق‭ ‬والمناطق‭ ‬السكنية،‭ ‬كلها‭ ‬تكوّن‭ ‬موجة‭ ‬مرورية‭ ‬خانقة‭ ‬تمتد‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة،‭ ‬وتربك‭ ‬حركة‭ ‬الناس‭ ‬وتزيد‭ ‬إرهاق‭ ‬الطرق‭. ‬كما‭ ‬لا‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬جيراننا‭ ‬في‭ ‬الشقيقة‭ ‬السعودية‭ ‬يتهافتون‭ ‬دائما‭ ‬مع‭ ‬عطلة‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع،‭ ‬وهذا‭ ‬كما‭ ‬ذكرنا‭ ‬سابقا‭ ‬يعتبر‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬نجاح‭ ‬أنشطتنا‭ ‬ومشاريعنا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتجارية‭ ‬والسياحية‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬الأخرى؛‭ ‬لذا‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الأنشطة‭ ‬المكثفة‭ ‬ضغط‭ ‬نفسي‭ ‬على‭ ‬المدعوين‭ ‬الذين‭ ‬يقومون‭ ‬بأداء‭ ‬واجبهم‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التزاماتهم‭ ‬الشخصية‭ ‬والعائليّة‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أجده‭ ‬غير‭ ‬منصف‭!‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬أطرح‭ ‬اقتراحا‭ ‬بسيطا‭ ‬في‭ ‬شكله‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬أثره،‭ ‬وهو‭ ‬تشجيع‭ ‬إقامة‭ ‬حفلات‭ ‬الزواج‭ ‬والمناسبات‭ ‬الأخرى‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬الأسبوع‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬حصرها‭ ‬في‭ ‬الخميس‭ ‬والجمعة‭. ‬شخصيا‭ ‬طبقت‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬عدة‭ ‬وقد‭ ‬وجدتها‭ ‬إيجابية‭ ‬جدا،‭ ‬وضمانا‭ ‬للحضور‭ ‬الجيد‭ ‬للفعالية‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تغييرا‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬كهذا‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬ملزِمة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬وعي‭ ‬اجتماعي،‭ ‬وإلى‭ ‬تعاون‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬وأصحاب‭ ‬القاعات‭ ‬والفنادق؛‭ ‬ليصبح‭ ‬تنظيم‭ ‬حفلة‭ ‬منتصف‭ ‬الأسبوع‭ ‬خيارا‭ ‬جاذبا‭ ‬عبر‭ ‬تخفيض‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬مزايا‭ ‬إضافية‭.‬

إن‭ ‬الازدحام‭ ‬المروري‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬لن‭ ‬يُحلّ‭ ‬بالمشروعات‭ ‬الإنشائية‭ ‬وحدها،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬حجمها،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نساندها‭ ‬بحلول‭ ‬تنظيمية‭ ‬ووعي‭ ‬مجتمعي؛‭ ‬فالقانون‭ ‬–‭ ‬بروحه‭ ‬ومعناه‭ ‬–‭ ‬لا‭ ‬يفرض‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يتشارك‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬صنعه،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سلوك‭ ‬مسؤول،‭ ‬ونظرة‭ ‬بعيدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المناسبات‭ ‬إلى‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭.‬

ولأن‭ ‬الطرقات‭ ‬ملك‭ ‬للجميع،‭ ‬فإن‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬حياتنا‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬المسؤولية‭ ‬مشتركة؛‭ ‬لا‭ ‬حكومية‭ ‬ولا‭ ‬اجتماعية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الاثنين‭ ‬معا؛‭ ‬فحين‭ ‬تتكامل‭ ‬الأدوار‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الطريق‭ ‬أكثر‭ ‬انسيابية،‭ ‬ويصبح‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬نهدره‭ ‬في‭ ‬الازدحام‭ ‬مساحة‭ ‬للحياة‭ ‬لا‭ ‬قطاعا‭ ‬مفقودا‭ ‬منها‭.‬

ما‭ ‬رأيكم؟ ‭* ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني