المشاهير والتحليل السياسي!

| حسن المصطفى

كنت‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬مع‭ ‬صديق‭ ‬عزيز،‭ ‬حول‭ ‬الدور‭ ‬المتعاظم‭ ‬لمن‭ ‬يوصفون‭ ‬بـ‭ ‬“المشاهير”‭ ‬وتقديمهم‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭ ‬الحكومية‭ ‬والأهلية‭ ‬كـ‭ ‬“صناع‭ ‬رأي‭ ‬عام”‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬مختلفة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬لهم‭ ‬سطوة‭ ‬أكثر،‭ ‬ومنح‭ ‬جزءًا‭ ‬منهم‭ ‬مصداقية‭ ‬غير‭ ‬حقيقية،‭ ‬لسبب‭ ‬بسيط،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬غياب‭ ‬العلم‭ ‬والخبرة‭ ‬والدراية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬فقدانهم‭ ‬التخصص‭ ‬والأدوات‭ ‬المعرفية‭ ‬والمهنية‭ ‬التي‭ ‬تؤهل‭ ‬غالبيتهم‭ ‬للنهوض‭ ‬بالأدوار‭ ‬التي‭ ‬توكل‭ ‬لهم‭. ‬بالتأكيد،‭ ‬هناك‭ ‬أعدادٌ‭ ‬قليلة،‭ ‬وقد‭ ‬يكونون‭ ‬أفرادًا،‭ ‬طوروا‭ ‬أنفسهم،‭ ‬وحددوا‭ ‬مجال‭ ‬نشاطهم‭ ‬في‭ ‬مساحات‭ ‬معقولة‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬معرفتهم،‭ ‬وصار‭ ‬لديهم‭ ‬محتوى‭ ‬يستحق‭ ‬المتابعة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الغالبية‭ ‬تأخذهم‭ ‬الرغبة‭ ‬المرضية‭ ‬في‭ ‬الشهرة،‭ ‬والكسب‭ ‬المالي‭ ‬السريع،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬المكانة‭ ‬المرموقة،‭ ‬وجميعها‭ ‬عوامل‭ ‬لا‭ ‬تدفعهم‭ ‬نحو‭ ‬التواضع‭ ‬أمام‭ ‬العلم‭ ‬وقول‭: ‬لا‭ ‬أعلم‭!‬

“التحليل‭ ‬السياسي”‭ ‬لو‭ ‬أخذناه‭ ‬كمثال،‭ ‬بات‭ ‬مجالاً‭ ‬خصبًا‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬المتطفلين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يبدون‭ ‬آراءً‭ ‬فردية‭ ‬قابلة‭ ‬للخطأ‭ ‬والصواب؛‭ ‬بل‭ ‬يتحدثون‭ ‬وكأنهم‭ ‬خبراء‭ ‬متخصصون،‭ ‬وسياسيون‭ ‬متمرسون،‭ ‬واستراتيجيون،‭ ‬والأكثر‭ ‬غرابة‭ ‬أن‭ ‬بعضهم‭ ‬يتجرأ‭ ‬ويجترح‭ ‬خطابًا‭ ‬وكأنه‭ ‬متحدث‭ ‬باسم‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭! ‬ملفات‭ ‬عديدة‭ ‬بالغة‭ ‬الدقة‭ ‬أمنيًّا‭ ‬وعسكريًّا‭ ‬لها‭ ‬صلاتها‭ ‬السياسية،‭ ‬تبثُ‭ ‬فيديوهات‭ ‬حولها،‭ ‬لها‭ ‬تأثيرها‭ ‬على‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬وتجدها‭ - ‬للأسف‭ - ‬تتردد‭ ‬أصداؤها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجالس‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أنها‭ ‬تضم‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬الإعلاميين‭ ‬أو‭ ‬الأكاديميين‭ ‬والمثقفين؛‭ ‬وهنا‭ ‬مربط‭ ‬الفَرسِ‭: ‬كيف‭ ‬أثر‭ ‬“المشاهير”‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬تفكير‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تفكير‭ ‬جزء‭ ‬ممن‭ ‬يوصفون‭ ‬بـ‭ ‬“النخبة”‭.‬

الركون‭ ‬إلى‭ ‬السرعة،‭ ‬والتبسيط،‭ ‬والتفسيرات‭ ‬الرغبوية‭ ‬التي‭ ‬توافق‭ ‬هوى‭ ‬وتوجهات‭ ‬المتلقي،‭ ‬وأيضًا‭ ‬الانبهار‭ ‬بـ‭ ‬“الأضواء”،‭ ‬كلها‭ ‬عززت‭ ‬سطوة‭ ‬هؤلاء‭ ‬“المشاهير”‭ ‬الفاقدين‭ ‬لمنهجية‭ ‬التحليل‭ ‬السياسي،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تراجع‭ ‬مستويات‭ ‬القراءة‭ ‬العامة،‭ ‬والاستقطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الحاد،‭ ‬الذي‭ ‬صير‭ ‬“المشهور”‭ ‬وكأنه‭ ‬رمزٌ‭ ‬يتحدث‭ ‬بلسان‭ ‬جماعة‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬تيار‭ ‬محدد‭! ‬الوعي‭ ‬ضروري،‭ ‬عبر‭ ‬تراكم‭ ‬الخبرات،‭ ‬والذهاب‭ ‬إلى‭ ‬المصادر‭ ‬الحقيقية‭ ‬للمعلومات،‭ ‬والبعد‭ ‬عن‭ ‬الانسياق‭ ‬مع‭ ‬الموجات‭ ‬العاطفية‭ ‬التي‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تمنح‭ ‬الإنسان‭ ‬شعوراً‭ ‬بأنه‭ ‬مع‭ ‬الجماعة‭ ‬آمنٌ،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬يغرق‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬من‭ ‬الجهل‭ ‬والتجهيل‭!.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬سعودي