حسن الإصغاء

| سليم مصطفى بودبوس

‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬نمتدح‭ ‬المتحدّثين؛‭ ‬فنقول‭.. ‬هذا‭ ‬متحدّث‭ ‬بارع،‭ ‬وهذا‭ ‬خطيب‭ ‬لا‭ ‬يشقّ‭ ‬له‭ ‬غبار،‭ ‬وذاك‭ ‬متفوّه‭ ‬حسن‭ ‬الكلام‭ ‬طليق‭ ‬اللسان،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العبارات‭ ‬الفصيحة‭ ‬والعامية‭ ‬التي‭ ‬تعظّم‭ ‬شأن‭ ‬المتحدّث‭... ‬ومعلوم‭ ‬أنّ‭ ‬عمليّة‭ ‬التواصل‭ ‬فيها‭ ‬مرسل‭ ‬ومستقبل،‭ ‬وهذا‭ ‬المستقبل‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الشفهي‭ ‬هو‭ ‬المستمع،‭ ‬ولكن‭ ‬قلّما‭ ‬نفكّر‭ ‬في‭ ‬المستمع‭ ‬ونجزل‭ ‬له‭ ‬الشكر‭ ‬على‭ ‬حسن‭ ‬الإصغاء‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬المقام‭ ‬لا‭ ‬يفوتني‭ ‬أن‭ ‬أستحضر‭ ‬شخصية‭ ‬علّمتني‭ ‬الكثير،‭ ‬ومنه،‭ ‬حسن‭ ‬الإصغاء؛‭ ‬وليس‭ ‬غريبا‭ ‬عنه‭ ‬فهو‭ ‬الأستاذ‭ ‬بكلية‭ ‬الإعلام‭ ‬بجامعة‭ ‬البحرين‭ ‬سابقا،‭ ‬وأعني‭ ‬الدكتور‭ ‬المهدي‭ ‬الجندوبي؛‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يأخذنا‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬أو‭ ‬آخر،‭ ‬وكنت‭ ‬ألاحظ‭ ‬عليه‭ ‬سكوته‭ ‬حين‭ ‬أتكلم‭ ‬وإنصاته‭ ‬بتركيز‭ ‬مطلق،‭ ‬وإذا‭ ‬أكملت‭ ‬كلامي‭ ‬ينتظر‭ ‬لبعض‭ ‬الثواني،‭ ‬ولا‭ ‬ينبس‭ ‬ببنت‭ ‬شفة،‭ ‬وكأنّ‭ ‬عملا‭ ‬ذهنيا‭ ‬مستمرا‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬منشغلا‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬كأنه‭ ‬ينتظر‭ ‬أن‭ ‬أضيف‭ ‬شيئا‭.. ‬ولكنه‭ ‬حسن‭ ‬الإصغاء‭. ‬إنّ‭ ‬إجادة‭ ‬الإصغاء‭ ‬وحسن‭ ‬الاستماع‭ ‬فنّ‭ ‬وأدب‭ ‬وتربية‭ ‬وعلم‭ ‬وقليل‭ ‬من‭ ‬يوفّيه‭ ‬حقّه،‭ ‬بل‭ ‬لعلّ‭ ‬البعض‭ ‬يقاطع‭ ‬ويردّ‭ ‬على‭ ‬نصف‭ ‬الكلام‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفهمه‭ ‬أو‭ ‬يترك‭ ‬الفرصة‭ ‬للمتحدث‭ ‬حتى‭ ‬يكمل‭ ‬كلامه‭ ‬فيؤاخذه‭ ‬بـ‭ (‬ويل‭ ‬للمصلين‭) ‬ولا‭ ‬ينتظر‭ ‬باقي‭ ‬الحديث‭ ‬وكأن‭ ‬المحادثة‭ ‬منافسة‭ ‬أو‭ ‬مغالبة‭. ‬وهذا‭ ‬للأسف‭ ‬ما‭ ‬صارت‭ ‬إليه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحوارات‭ ‬التلفزيونية‭ ‬بحجة‭ ‬“أريد‭ ‬أن‭ ‬أتفاعل‭ ‬معك”‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬بتفاعل‭ ‬وليس‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬أدب‭ ‬الإصغاء‭ ‬والحديث‭ ‬أي‭ ‬شيء‭.‬

نعم،‭ ‬حسن‭ ‬الإصغاء‭ ‬والتركيز‭ ‬عند‭ ‬الاستماع‭ ‬نعمة،‭ ‬وله‭ ‬آداب‭ ‬كأنْ‭ ‬يُقبل‭ ‬المستمع‭ ‬على‭ ‬المتحدث‭ ‬بكل‭ ‬الاهتمام،‭ ‬وأن‭ ‬يُمهله‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬ما‭ ‬يكفيه‭ ‬ليكمل‭ ‬حديثه،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬أدب‭ ‬الجلوس‭ ‬إلى‭ ‬المتحدّث‭ ‬وطريقة‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬مما‭ ‬حرص‭ ‬الحكماء‭ ‬قديمًا‭ ‬على‭ ‬تعليمه‭ ‬وتبليغه؛‭ ‬فقد‭ ‬أوصى‭ ‬أحدهم‭ ‬ابنه‭ ‬قائلًا‭: ‬“يا‭ ‬بني‭ ‬تعلّم‭ ‬حسن‭ ‬الاستماع‭ ‬كما‭ ‬تتعلّم‭ ‬حسن‭ ‬الحديث”‭.

ومن‭ ‬الإنصات‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬إلى‭ ‬الذات‭ ‬أيضا؛‭ ‬فكم‭ ‬يحتاج‭ ‬بعضنا‭ ‬أن‭ ‬يستمع‭ ‬إلى‭ ‬ذاته‭ ‬إلى‭ ‬ضميره‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬فيه‭ ‬قبل‭ ‬أية‭ ‬مصلحة،‭ ‬وقبل‭ ‬أية‭ ‬منفعة‭ ‬مادية‭ ‬قد‭ ‬تحصل‭ ‬له‭ ‬جراء‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬موقف‭ ‬أو‭ ‬سلوك‭ ‬يتنافى‭ ‬مع‭ ‬الأخلاق‭ ‬والقانون‭ ‬والقيم‭ ‬الإنسانية‭.‬

كم‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حسن‭ ‬الإصغاء‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين،‭ ‬وإلى‭ ‬ذواتنا‭ ‬في‭ ‬ضجيج‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬اختلط‭ ‬فيه‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل،‭ ‬ولم‭ ‬نعد‭ ‬نميز‭  ‬فيه‭ ‬الخيط‭ ‬الأبيض‭ ‬من‭ ‬الخيط‭ ‬الأسود‭ ‬من‭ ‬الليل‭.. ‬كم‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الانتباه‭ ‬الواعي‭ ‬إلى‭ ‬أفكارنا‭ ‬ومشاعرنا‭ ‬واحتياجاتنا‭.. ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬

 

كاتب‭ ‬تونسي‭ ‬ومدير‭ ‬تحرير‭ ‬مجلة‭ ‬البحرين‭ ‬الخيرية