مرة أخرى.. “كلام في موضوع”!

| أسامة مهران

قد‭ ‬تكون‭ ‬الأيام‭ ‬المباركة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬دفعتني‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬طرح‭ ‬ما‭ ‬أسميته‭ ‬اجتهادًا‭ ‬“كلام‭ ‬في‭ ‬الموضوع”‭ ‬وليس‭ ‬الممنوع،‭ ‬الموضوع‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحفز‭ ‬الآراء‭ ‬لكي‭ ‬تفكر‭ ‬بصوت‭ ‬مسموع،‭ ‬والخبراء‭ ‬لكي‭ ‬يدلوا‭ ‬بدلوهم‭ ‬بقلم‭ ‬مفتوح،‭ ‬والكلمات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبتعد‭ ‬بنا‭ ‬عن‭ ‬موضوعية‭ ‬الطرح‭ ‬نجدها‭ ‬وقد‭ ‬تباعدت‭ ‬مسافة‭ ‬كافية‭ ‬لكي‭ ‬يصبح‭ ‬النقاش‭ ‬منطقيًا،‭ ‬والحوار‭ ‬مستحبًا،‭ ‬واحترام‭ ‬الآخر‭ ‬حاضرًا‭. ‬إنها‭ ‬السياحة،‭ ‬ذلك‭ ‬القطاع‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬من‭ ‬المقومات‭ ‬والإمكانات‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالمردود‭ ‬الذي‭ ‬أراه‭ ‬متواضعًا‭ ‬قياسًا‭ ‬بهذه‭ ‬المقومات‭.‬

في‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬خرج‭ ‬علينا‭ ‬العلامة‭ ‬الأثري‭ ‬علي‭ ‬أكبر‭ ‬بوشهري‭ ‬باقتفاء‭ ‬آثارنا‭ ‬الدلمونية،‭ ‬وذهب‭ ‬مع‭ ‬الأثريين‭ ‬والعلماء‭ ‬والاستكشافيين‭ ‬وليس‭ ‬الحطابين‭ ‬في‭ ‬الجبال‭ ‬إلى‭ ‬مقابر‭ ‬عالي‭ ‬وسار‭ ‬وباربار‭ ‬العريقة،‭ ‬إلى‭ ‬اقتفاء‭ ‬تلك‭ ‬الآثار‭ ‬وإلى‭ ‬جانبها‭ ‬قلاع‭ ‬البحرين‭ ‬الحصينة،‭ ‬“الرفاع‭ ‬وعراد‭ ‬والبحرين”،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬البيوت‭ ‬الأيقونية‭ ‬العريقة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬سجالات‭ ‬وأحداثًا‭ ‬وطنية‭ ‬وثقافية‭ ‬عظيمة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭. ‬وبالفعل‭ ‬كان‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬تتويج‭ ‬الأثر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الطريق،‭ ‬حيث‭ ‬وجدنا‭ ‬“بروتوكول”‭ ‬الاستقبال‭ ‬لمرتادي‭ ‬الفنادق‭ ‬والمطاعم‭ ‬والمقاهي‭ ‬السياحية‭ ‬والشعبية‭ ‬يتحقق‭ ‬بأحرف‭ ‬من‭ ‬نور،‭ ‬ومشاهد‭ ‬تتطابق‭ ‬مع‭ ‬فخامة‭ ‬التراث،‭ ‬وكرم‭ ‬شعب‭ ‬الجزيرة‭.‬

في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬وعلى‭ ‬مرأى‭ ‬ومسمع‭ ‬مرتادي‭ ‬الأماكن‭ ‬السياحية‭ - ‬المقاهي‭ ‬والمطاعم‭ ‬بالتحديد‭ - ‬وجدنا‭ ‬أن‭ ‬مستوى‭ ‬الخدمة‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬النزول‭ ‬عن‭ ‬عرشه‭ ‬الطبيعي،‭ ‬في‭ ‬الفخامة‭ ‬والتزام‭ ‬النظافة،‭ ‬والانضباط‭ ‬في‭ ‬الأداء‭. 

والترحيب‭ ‬بالزبون‭ ‬وكأنه‭ ‬صاحب‭ ‬مكان‭ ‬وليس‭ ‬ضيفًا‭ ‬عليه،‭ ‬وجدنا‭ ‬ممارسات‭ ‬لا‭ ‬يقبلها‭ ‬عقل‭ ‬وترفضها‭ ‬البديهة‭ ‬الإنسانية‭ ‬عندما‭ ‬يتلقى‭ ‬النادل‭ ‬الطلبات‭ ‬من‭ ‬الزبائن‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬ويقدم‭ ‬العصير‭ ‬أو‭ ‬الشاي‭ ‬أو‭ ‬القهوة‭ ‬أو‭ ‬الطعام‭ ‬أيًا‭ ‬كان،‭ ‬ثم‭ ‬نجد‭ ‬الشخص‭ ‬نفسه‭ ‬وعلى‭ ‬مرأى‭ ‬ومسمع‭ ‬من‭ ‬زبائن‭ ‬هذه‭ ‬الأمكنة‭ ‬السياحية‭ ‬الفاخرة‭ ‬وهو‭ ‬“يكنس‭ ‬الأرض”‭ ‬ويقوم‭ ‬بتنظيف‭ ‬الطاولات،‭ ‬وربما‭ ‬الحمامات،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬إلينا‭ ‬الطعام‭ ‬والشراب‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬عامل‭ ‬النظافة‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬بمهمته‭ ‬أمام‭ ‬الزبائن‭ ‬بين‭ ‬الطاولات،‭ ‬ثم‭ ‬يكرر‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭ ‬داخل‭ ‬الحمامات‭ ‬وبين‭ ‬الطرقات‭.‬

هذا‭ ‬المشهد‭ ‬يفسد‭ ‬علينا‭ ‬أجواءنا‭ ‬السياحية،‭ ‬ويشوه‭ ‬صورة‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬المتعوب‭ ‬عليه،‭ ‬ويفقد‭ ‬الضيف‭ ‬أو‭ ‬الزبون‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬تقاليد‭ ‬وتعاليم‭ ‬الجهات‭ ‬المنظمة‭ ‬لهذا‭ ‬القطاع‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬وزارة‭ ‬السياحة‭ ‬أو‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬أية‭ ‬جهة‭ ‬تنظيمية‭ ‬أخرى‭.‬

أعرف‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصرف‭ ‬جاء‭ ‬تلقائيًا‭ ‬وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬استثنائيًا،‭ ‬أي‭ ‬بحسن‭ ‬نية،‭ ‬بهدف‭ ‬مساعدة‭ ‬الزملاء‭ ‬لبعضهم‭ ‬البعض،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬ردة‭ ‬فعل‭ ‬الزبون‭ ‬عندما‭ ‬يتلقف‭ ‬مشروبه‭ ‬أو‭ ‬حساءه‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬منظفًا‭ ‬لأرضية‭ ‬المكان،‭ ‬وحاملاً‭ ‬أكياس‭ ‬القمامة‭ ‬إلى‭ ‬الصناديق‭ ‬المخصصة‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬المعني،‭ ‬أو‭ ‬البراحة‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تنظيم‭.‬

بالتأكيد‭ ‬سيفقد‭ ‬الضيف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬وسيخشى‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬وصحته‭ ‬من‭ ‬تناول‭ ‬أي‭ ‬غذاء‭ ‬أو‭ ‬شراب‭ ‬نظرًا‭ ‬لعدم‭ ‬توفر‭ ‬شروط‭ ‬الأمن‭ ‬والسلامة‭ ‬والصحة‭ ‬والنظافة‭ ‬المرعية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حال،‭ ‬وكل‭ ‬عام‭ ‬وبلادنا‭ ‬بألف‭ ‬خير‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية‭ ‬