وجوه تبحث عن الدفء

| إبراهيم النهام

كانت‭ ‬القاعة‭ ‬تزينها‭ ‬ألوان‭ ‬الفرح،‭ ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬تلك‭ ‬الزينة‭ ‬تختبئ‭ ‬حكايات‭ ‬حزينة‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬اقترب‭. ‬دخلت‭ ‬دارا‭ ‬لرعاية‭ ‬العجزة‭ ‬في‭ ‬فعالية‭ ‬اجتماعية‭ ‬جميلة،‭ ‬فاستقبلتني‭ ‬ابتسامات‭ ‬باهتة‭ ‬تخفي‭ ‬خلفها‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الانتظار‭ ‬والوحدة‭. ‬أصوات‭ ‬الموسيقى‭ ‬الخافتة‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تطغى‭ ‬على‭ ‬صمت‭ ‬العيون،‭ ‬ذلك‭ ‬الصمت‭ ‬الذي‭ ‬يصرخ‭ ‬بألف‭ ‬كلمة‭. ‬جلست‭ ‬بين‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬السن،‭ ‬وكل‭ ‬منهم‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬سؤالًا‭ ‬واحدًا‭: ‬أين‭ ‬هم‭ ‬أبنائي‭ ‬مني؟‭ ‬كان‭ ‬الحزن‭ ‬يملأ‭ ‬المكان،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الآباء‭ ‬كانوا‭ ‬يومًا‭ ‬أعمدة‭ ‬بيوت‭ ‬لا‭ ‬تنهار،‭ ‬وأبطال‭ ‬قصص‭ ‬النجاح‭ ‬التي‭ ‬يرويها‭ ‬الأبناء‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬مجالسهم‭.‬

بعد‭ ‬دردشة‭ ‬خفيفة‭ ‬عن‭ ‬الأسرة‭ ‬ووصل‭ ‬الأولاد،‭ ‬اقترب‭ ‬مني‭ ‬رجل‭ ‬في‭ ‬الثمانين،‭ ‬يده‭ ‬ترتجف‭ ‬وهو‭ ‬يمسك‭ ‬عصاه،‭ ‬وقال‭ ‬لي‭ ‬بصوت‭ ‬خافت‭: ‬“أبنائي‭ ‬في‭ ‬مناصب‭ ‬مرموقة،‭ ‬لكنهم‭ ‬نسوني‭ ‬تمامًا،‭ ‬وكأنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬يومًا‭ ‬سندهم،‭ ‬لحظات‭ ‬السعادة‭ ‬الوحيدة‭ ‬الباقية‭ ‬لي،‭ ‬حين‭ ‬أحضر‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬هنا‭ ‬للقاء‭ ‬أصدقائي‭ ‬الطيبين‭.‬”‭ ‬تذكرت‭ ‬حينها‭ ‬قول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭: (‬وَقَضَىٰ‭ ‬رَبُّكَ‭ ‬أَلَّا‭ ‬تَعْبُدُوا‭ ‬إِلَّا‭ ‬إِيَّاهُ‭ ‬وَبِالْوَالِدَيْنِ‭ ‬إِحْسَانًا‭)‬،‭ ‬آية‭ ‬تختصر‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬غاب‭ ‬عن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأبناء‭ ‬الذين‭ ‬انشغلوا‭ ‬ببريق‭ ‬المناصب‭ ‬ونسوا‭ ‬نور‭ ‬البر‭. ‬أحد‭ ‬المفكرين‭ ‬قال‭: ‬“النجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬اعتلاء‭ ‬الكراسي،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬يدك‭ ‬ممسكة‭ ‬بيد‭ ‬من‭ ‬صنعك”‭.‬

ما‭ ‬سمعته‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حكايات‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬لظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تتسع‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭. ‬في‭ ‬زمن‭ ‬السرعة‭ ‬والانشغال،‭ ‬أصبح‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬غرباء،‭ ‬رغم‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يومًا‭ ‬مصدر‭ ‬الأمان‭ ‬والحنان‭. ‬هذا‭ ‬الانفصال‭ ‬العاطفي‭ ‬يترك‭ ‬آثارًا‭ ‬نفسية‭ ‬عميقة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الوالدين،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬الأبناء‭ ‬الذين‭ ‬يفقدون‭ ‬بركة‭ ‬الرضا‭ ‬ودفء‭ ‬الأسرة‭. ‬خرجت‭ ‬يومها‭ ‬من‭ ‬الدار‭ ‬وأنا‭ ‬أحمل‭ ‬سؤالًا‭ ‬يثقل‭ ‬القلب‭: ‬ما‭ ‬قيمة‭ ‬المجد‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬من‭ ‬منحونا‭ ‬الحياة؟‭ ‬لعل‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬المؤسفة‭ ‬تكون‭ ‬جرس‭ ‬إنذار،‭ ‬فبرّ‭ ‬الوالدين‭ ‬ليس‭ ‬خيارًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تاج‭ ‬يزين‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬مهما‭ ‬علت‭ ‬مكانته‭.‬