لماذا غابت البحرين عن مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي؟
| خالد عبدالله المرباطي
في الوقت الذي سجّلت فيه بعض دول المنطقة، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، حضوراً لافتاً في مؤشر “ستانفورد” للذكاء الاصطناعي لعام 2025 - حيث احتلت السعودية المركز الثالث عالمياً في نماذج الذكاء الاصطناعي، وتصدّرت مؤشرات النمو في وظائف وتقنيات الذكاء الاصطناعي - يبرز سؤال مشروع على الساحة البحرينية: لماذا لم تظهر مملكة البحرين في هذا المؤشر العالمي المهم؟
هذا السؤال لا يُطرح للمقارنة بقدر ما يُطرح لفهم الواقع، واستشراف ما يمكن أن يتحقق، ووضع البحرين في موقعها الطبيعي ضمن مشهد الابتكار التقني.
بدايةً ما هي فوائد الإدراج في مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي؟
1- اعتراف دولي وسمعة إيجابية
- الإدراج في مؤشر معروف دوليًّا يمنح الدولة “وسام ثقة” أمام المستثمرين، والحكومات، والمؤسسات الأكاديمية والشركات التقنية.
- يجعل إنجازات الذكاء الاصطناعي في البلد مرئية على الساحة العالمية، مما يساعد في جذب شراكات، استثمارات، وكفاءات.
- كما حصلت دول مثل المملكة العربية السعودية - وفق تغطية الإعلام بناءً على Stanford AI Index 2025 - بإبراز ريادتها في “نماذج الذكاء الاصطناعي” ونمو الوظائف فيها.
2- أداة لتقييم الأداء المحلي – خارجي (Benchmarking)
- يتيح المؤشر مقارنة أداء الدولة مع دول أخرى في مؤشرات مثل الأبحاث، النماذج، الوظائف، الاستثمارات، السياسات.
- هذا يساعد في تقييم الوضع الحالي بموضوعية، وتحديد نقاط القوة والضعف، وتوجيه السياسات الوطنية بناءً على أرقام ومعايير دولية.
3- توجيه السياسات واستراتيجيات التنمية
- وجود دولة ضمن المؤشر يعطي دافعًا قويًّا لواضعي السياسات لتطوير إطار وطني واضح (سياسات، تشريعات، استراتيجيات) يدعم الذكاء الاصطناعي.
- كما أن وجود تقييم دولي مستمر يشجّع على بناء بنى تحتية معلنة، شفافة وقابلة للقياس (بيانات، أبحاث، شركات، استثمارات…) لجعل الجهود الوطنية “مرئية ومقاسة”.
4- جذب الاستثمارات والقدرات والكفاءات
- الإدراج يفتح الباب أمام شركات عالمية، مستثمرين، باحثين، ومواهب للعمل والشراكة في البلد، لأنهم يثقون في أن البلد “مُعترف به دوليًّا” في AI.
- كما أنّ الدول المدرجة تُظهر جدّية والتزامًا بالمعايير الدولية في الابتكار والحوكمة.
5- تحفيز الابتكار المحلي وتطوير القدرات الوطنية
- الإدراج يشكل حافزًا للحكومات والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية للمضي قدمًا في البحث، التطوير، التعليم، والشراكات.
- يساهم في جعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من استراتيجية تنمية شاملة وليس فقط مشروعًا تجريبيًّا عابرًا.
والسؤال اليوم ليس: لماذا تقدمت دول مجاورة؟ أو لماذا لم تُدرج البحرين رغم توفّر جهود ومبادرات رائدة في هذا المجال؟
البحرين: إنجازات تُصنَع… لكنها لا تُقاس عالميًّا
على أرض الواقع، البحرين ليست بعيدة عن مشهد الذكاء الاصطناعي، بل قطعت شوطًا واسعًا في: التحول الرقمي الحكومي المتقدم. إعداد السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي. تأسيس اللجنة الوطنية للذكاء الاصطناعي. إطلاق الدليل الاسترشادي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي لدول الخليج. تطوير المساعدين الافتراضيين في البنوك والاتصالات والقطاع الحكومي. استخدام الذكاء الاصطناعي في: (القضاء والمشتريات الحكومية والأمن والزراعة ومراقبة التغيرات الإنشائية) . تأسيس أكاديمية الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع مايكروسوفت. استضافة المؤتمر الأول للذكاء الاصطناعي في القضاء خليجياً. إطلاق مختبرات ابتكار في الحكومة والجامعات والقطاع الخاص.
إضافة إلى ذلك، حصلت البحرين على تقييم دولي مهم من اليونسكو عبر إطار RAM للجاهزية الوطنية للذكاء الاصطناعي، والذي وضع المملكة ضمن الدول المستعدة أخلاقياً وتشريعياً وتقنياً لتبني هذه التكنولوجيا.
إذن، البحرين تتحرك، تبني، وتنفذ، لكنها لم تُقس.
■ والسؤال لماذا لم نُدرج في مؤشر ستانفورد؟
جاءت إجابة جزئية على هذا السؤال الأسبوع الماضي، حين وافقت لجنة الشؤون المالية والاقتصادية في مجلس النواب على مقترح وضع استراتيجية وطنية متكاملة لتفعيل الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد البحريني. وقد أكد مجلس التنمية الاقتصادية في مداخلته أن الذكاء الاصطناعي أصبح ركيزة لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، فيما أشارت وزارة المالية والاقتصاد الوطني إلى أن برنامج الحكومة يتضمن أولوية واضحة للتحول الرقمي ودمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية.
كما أعلنت “تمكين” عن استهداف تدريب 50 ألف بحريني على مهارات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأكد مركز ناصر العلمي والتقني أن الذكاء الاصطناعي أصبح مفتاحاً لتنافسية المملكة في القطاعات الحيوية مثل الصناعة، المالية، الصحة، والتعليم.
هذه المعطيات تشير إلى وجود مسار وطني واضح، لكنه ما يزال في مرحلة البناء المؤسسي، وليس في مرحلة البيانات القابلة للقياس الدولي ، وهو عامل أساس في منهجية مؤشر ستانفورد.
تقرير ستانفورد، بصفته أكثر التقارير البحثية شمولاً عن الذكاء الاصطناعي عالمياً، يعتمد على عدة عناصر رئيسة لقياس الدول:
حجم البيانات المفتوحة والمتاحة للباحثين. عمق الاستثمار الحكومي والخاص في الذكاء الاصطناعي. حجم الأبحاث والمنشورات الجامعية وبراءات الاختراع. نضج التشريعات الوطنية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.وبحسب المنهجية التي يعتمدها التقرير، فإن الدول التي لا يتوفر عنها قدر كافٍ من البيانات الرقمية والتحليلية لا تُدرج في التصنيفات الرئيسة حتى لو كانت لديها مبادرات محلية جيدة.
ولهذا لم تظهر في قائمة الدول الأساسية التي يقوم عليها المؤشر.
بمعنى أدق: البحرين لم تُستبعد لأسباب تتعلق بالقدرات، بل لعدم توافر بيانات كافية وقياسات معيارية تسمح بإدراجها ضمن التصنيف الدولي.
كيف استطاعت السعودية والامارات التقدم… وما علاقة ذلك بالبحرين؟يُظهر التقرير - ومع ما نشرته الصحف السعودية - كيف استطاعت المملكة العربية السعودية أن تحقق مراكز عالمية متقدمة، من بينها:
المركز الثالث عالميًّا في نماذج الذكاء الاصطناعي. مراكز متقدمة في نمو الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. المرتبة الأولى عالميًّا في معيار الاستراتيجية الحكومية للذكاء الاصطناعي. حضور قوي في التجارة القائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي.هذا التقدم لم يأتِ صدفة، بل كان نتيجة:
استراتيجية وطنية شاملة للبيانات والذكاء الاصطناعي أطلقت عام 2020 استثمارات حكومية ضخمة من صندوق الاستثمارات العامة. شركات وطنية متخصصة مثل “هيوماين”. تطوير نماذج لغوية عربية رائدة مثل نموذج “علام”. بناء منظومة ابتكار متكاملة تشمل جامعات وقطاعاً خاصاً وشراكات دولية.أما دولة الإمارات بدورها فظهرت ضمن المؤشر نظرًا إلى:
امتلاك استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي (أول دولة في العالم تطلق استراتيجية حكومية للـ AI عام 2017). إطلاق وزارة للذكاء الاصطناعي. نشر بيانات مفتوحة بمستوى يُتيح التحليل العالمي. تقدم كبير في الأبحاث الرقمية، المشاريع الحكومية، المدن الذكية، والبنية السحابية.هذه التجربة الخليجية الناجحة تُقدّم دروسًا مهمة للبحرين، من دون أن تُفهم كمقارنة سلبية، بل كنموذج يمكن الاستفادة منه.
لماذا لم تظهر البحرين في المؤشر؟يمكن تلخيص الأسباب في أربعة محاور رئيسة:
غياب الإحصاءات الوطنية المعلنة: التقرير يعتمد على بيانات مفتوحة: عدد النماذج، الأبحاث، الاستثمارات، براءات الاختراع. هذه البيانات ليست متوفرة بشكل كافٍ (أو ليست منشورة) بالنسبة للبحرين. غياب استراتيجية وطنية مُعلنة تتضمن مؤشرات أداء KPIs قابلة للقياس: بعض المبادرات موجودة، لكن المؤشر يقيس الدول التي تمتلك استراتيجيات رسمية ذات معايير كمية واضحة. ضعف حجم المحتوى البحريني في الأبحاث العالمية: منشورات الجامعات البحرينية في مجالات الذكاء الاصطناعي أقل مقارنة بدول أخرى في المنطقة. استثمارات محدودة في الشركات الناشئة ونماذج الذكاء الاصطناعي: نمو المشروعات المحلية في الذكاء الاصطناعي ما زال في بداياته، ولا توجد مشاريع كبرى يمكن قياسها ضمن المؤشر. كيف يمكن للبحرين أن تكون ضمن مؤشر ستانفورد خلال 3 سنوات؟
بحسب منهجية التقرير، فإن إدراج البحرين ممكن جدًّا، خصوصًا مع تقدمها الواضح في الخدمات الحكومية والجاهزية الرقمية. ويتحقق ذلك عبر عدة خطوات:
إطلاق استراتيجية بحرينية وطنية للذكاء الاصطناعي: تشمل أهدافًا كمية قابلة للقياس، وإعلانها عبر منصة رسمية ليتم اعتمادها دوليًّا. بناء قاعدة بيانات وطنية مفتوحة للذكاء الاصطناعي: تضم عدد الشركات العاملة، الاستثمارات، مبادرات الجامعات، نماذج الذكاء المطورة محليًّا. زيادة المحتوى البحثي البحريني: عبر تمويل الأبحاث الجامعية والشراكات مع جامعات عالمية. إطلاق برامج وطنية لتطوير النماذج العربية: على خطى “علام” في السعودية، أو “جيميناي العربية”، أو النماذج الخليجية الحديثة. تشجيع القطاع الخاص على تطوير وتبني الذكاء الاصطناعي: لأن التقرير يرصد النشاط التجاري كما يرصد الحكومي. الاستثمار في الكفاءات الوطنية : التدريب المتقدم وليس التوعية فقط، فمعظم الدول المتقدمة في المؤشر تبنت برامج: تدريب عميق في الذكاء الاصطناعي (Deep AI Training) برامج متقدمة للباحثين والمهندسين شراكات مع شركات مثل OpenAI، Google، NVIDIA، Microsoftالوعي لا يكفي بل نحتاج كوادر قادرة على بناء نماذج، وليس فقط استخدامها.
البحرين قادرة… لكن يجب أن تُظهر بياناتها للعالمإن غياب البحرين عن مؤشر ستانفورد ليس حكمًا على قدراتها الرقمية، بل انعكاس لغياب البيانات المنشورة والمشاريع القابلة للقياس التي يعتمد عليها المؤشر.
ومع توجه حكومتنا الموقرة نحو الاقتصاد الرقمي، فإن امتلاك رؤية وطنية واضحة وقاعدة بيانات معلنة ومشاريع ابتكار قابلة للرصد الدولي سيجعل وجودها في المؤشر مسألة وقت لا أكثر.
وفي عالم تتحرك فيه الدول بسرعة نحو الذكاء الاصطناعي، فإن البحرين تمتلك قاعدة قوية في التحول الرقمي والخدمات الحكومية وما عليها إلا تحويل هذا التقدم إلى مؤشرات قابلة للقياس، ليعترف بها العالم كما ينبغي.