تعفن الدماغ
| عطا السيد الشعراوي
في سنواتنا الدراسية الأولى، كنا نحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب، ونجيب بلا تفكير أو تردد على أي سؤال فيه، وكنا نحل بعض المسائل الرياضية التي تحمل درجات من التعقيد دون اللجوء لوسائط معينة أو الآلة الحاسبة، كما كنا حتى وقت قريب نحفظ كثيرًا من أرقام الهواتف التي نستعملها في يومنا وحياتنا. رويدًا رويدًا وجدنا أبناءنا وأنفسنا معهم نعطل أدمغتنا ونعتمد اعتمادًا كبيرًا على التقنية المعاصرة في حل العمليات الحسابية، حتى إن كانت بسيطة، ولا نجهد أنفسنا في حفظ أرقام الهواتف ولا حفظ غيرها من النصوص بعد أن ترسخ في يقيننا القدرة على الحصول على أي شيء نريده وفي أي وقت في هذا العصر الرقمي. الحال نفسه يحدث على الصعيد المؤسسي بتحويل كل ما يخص المؤسسة من الأوراق والأدراج إلى الملفات والمجلدات على الأجهزة الإلكترونية، وبات تعطل هذه الأجهزة بمثابة تعطل للعمل نفسه وشلل وصدمة كبيرة للحياة المعاصرة كلها. هذا الارتباط غير المحدود مع العصر الرقمي في كل أمورنا تقريبًا ربما جاء على حساب ما يمكن تسميته بتماسك الدماغ، إذ ربطت كثير من الدراسات بين هذا الكم الهائل من المعلومات المتوفرة عبر الإنترنت وبين التعفن الدماغي، حيث تقلل من قدرة الدماغ على معالجة المعلومات والاحتفاظ بها والتركيز، وتؤدي إلى الإرهاق العقلي. دراسة حديثة لجمعية علم النفس الأميركية (APA) كشفت أن الاستخدام المفرط على سبيل المثال لمنصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” يؤدي لتراجع الأداء المعرفي، وصعوبات في التركيز على المهمات الأكثر تعقيدًا وحل المشكلات أو التعلم العميق، إضافة إلى التسبب في التوتر والقلق. وأشارت صحيفة إندبندنت البريطانية مؤخرًا إلى دراسة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وجدت أن الطلاب الذين استخدموا ChatGPT في الكتابة أظهروا نشاطًا دماغيًّا أقل بكثير وكانوا غير قادرين على تذكر أية جملة مما كتبوه. نحن بحاجة إلى تنظيم وتقنين الاعتماد على المحتوى الرقمي السريع والجاهز حفاظًا على قدرتنا على التفكير النقدي والتحليل العميق، وعلى حل المشكلات واتخاذ القرارات الحياتية الصعبة.