اليوم العالمي لحقوق الإنسان... البحرين والإرادة الإصلاحية لصون الكرامة الإنسانية

| زهير توفيقي

يصادف العاشر من ديسمبر من كل عام اليوم العالمي لحقوق الإنسان، التاريخ الذي اعتمد فيه المجتمع الدولي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، لتأكيد أن الكرامة والحرية والمساواة حقوق أساسية لكل إنسان دون تمييز. إن الاحتفاء بهذا اليوم ليس مجرّد طقس رمزي، بل هو تذكير عالمي دائم بأن احترام الإنسان وحقوقه هي أساس أي مجتمع حضاري. في مملكة البحرين، انطلقت مسيرة الإصلاح منذ تولي جلالة الملك المعظم، حفظه الله الحُكم، فتمّ بلورة رؤية وطنية تتجسّد في إقرار ميثاق العمل الوطني، الذي أعاد رسم ملامح الدولة الحديثة، ورسَّخ أسس الحكم الدستوري، و سيادة القانون، والمشاركة السياسية للمواطنين. ولتكريس هذا التوجه على أرض الواقع، صدر في 10 نوفمبر 2009 أمر ملكي بتأسيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان (NIHR)، بموجب المرسوم رقم (46) لسنة 2009، ضمن معايير دولية (مبادئ باريس) لحماية الحقوق والحريات. بعد ذلك، أقرّ البرلمان (مجلسي الشورى والنواب) عام 2014 قانونًا رسميًا لتنظيم عمل المؤسسة، ثم عدّل لاحقًا بموجب مرسوم في 2016، لضمان استقلاليتها ومنحها صلاحيات أوسع في رصد وحماية حقوق الإنسان في البحرين. وعلى مدى السنوات الماضية، عملت المؤسسة بخطوات منهجية لتعزيز منظومة حقوق الإنسان في المملكة: من مراجعة التشريعات، إلى متابعة تنفيذ الاتفاقيات الدولية، إلى إشراك المجتمع المدني، وإلى تنفيذ خطط وطنية لحماية الحقوق على مختلف الصعد. وفي خطوة نوعية، قرّرت المؤسسة مؤخراً إنشاء منصب مفوض حقوق الطفل في يونيو 2023، ثم أُعلن رسميًا في يوليو 2023، لتصبح البحرين أول دولة في المنطقة تؤسس مفوضية متخصصة بالطفولة وحقوق الأطفال. فدور المفوض يشمل دراسة التشريعات، استقبال الشكاوى المتعلقة بالأطفال، المتابعة والتعاون مع الجهات المعنية، وإجراء بحوث ودراسات بشأن مصلحة الطفل الفضلى، بما يتوافق مع اتفاقيات الطفل الدولية. ومنذ تدشين المنصب وحتى نوفمبر 2023، نظمت المؤسسة فعاليات ومحاضرات وورش عمل في المدارس ومراكز الشباب، استفاد منها قرابة 580 طفلاً وشاباً - ما يعكس جدية في جعل ثقافة حقوق الطفل جزءًا من حياة المجتمع. كما تلقت المؤسسة عدداً من الشكاوى (17 شكوى رسمية) تتعلق بحقوق الأطفال فيما يخص الهوية، الصحة، التعليم، وذوي الإعاقة، الأمر الذي يوضح أن دور المفوض ليس رمزيًا بل عمليًا وحقيقيًا في متابعة شؤون الأطفال. إن هذه الإنجازات تعكس أن البحرين لم تكتفِ بإعلان مبادئ ومشاركة رموز في مناسبات، بل وضعت مؤسسات وآليات فاعلة - قانونية وتنفيذية - لضمان صون الحقوق والحريات. وعندما نحتفي بيوم حقوق الإنسان، فنحن نؤكد التزامًا مستمرًا بأن يكون احترام الإنسان وكرامته - من طفل إلى مسن - جزءًا أصيلًا من حياتنا اليومية، وأن الحقوق لا تُعارض المواطنين أو المقيمين، بل تُضمّ الجميع تحت مظلة العدل والكرامة. إن يوم 10 ديسمبر ليس مناسبة تاريخية فحسب، بل فرصة لتجديد العهد: عهد أن الناس - مواطنين ومقيمين - لهم حق في التعليم، الصحة، الأمن، التعبير، الكرامة، العيش في كنف القانون. مسؤولية الدولة بذلك كبيرة، ومشاركة المجتمع حتمية. ولذلك، فدعوتنا اليوم - في هذا العيد العالمي - أن نُجدد التزامنا: أن تكون الحقوق ليست شعارات تُرفع في يوم، بل ثقافة تُمارَس يومياً عبر احترام القانون، وتعزيز الوعي، ودعم مؤسسات حقوق الإنسان، والوقوف مع كل إنسان في كرامته وحقّه في الحياة الحرة الكريمة.