قوسٌ مشدود من مكة المكرمة إلى المحرق.. د. حياة الرشيدي وعشق البحرين

| د.محمد الزكري

ارتبط اسم الرشايدة بتاريخ العرب وأيامهم، ولهم حضورٌ راسخ في جغرافيا الحجاز. فمن حرة بني رشيد شمال المدينة المنورة إلى برحة الرشايدة في مكة المكرمة، تلك المنطقة التي لا تبعتد سوى ثلاثة كيلومترات عن الحرم المكي الشريف. في هذه البيئة وُلدت د. حياة الرشيدي ونشأت، وهي ابنة التاجر مناور الرشيدي من طنايا عبس، الذي عُرف بنشاطه في تجارة السيارات واستيراد سيارات المرسيدس من مرفأ طرطوس. وقد فتحت هذه التجارة للعائلة آفاقًا واسعة، ومنحتها انفتاحًا مبكرًا على العالم.

سافرت "حياة" منذ صغرها مع والدها وأسرتها بالسيارة من مكة المكرمة – المملكة العربية السعودية، مرورًا بالأردن فسوريا ثم تركيا وصولاً إلى اليونان. وكان لهذا المزج بين السفر والمعرفة أثره العميق في زرع حب التاريخ في نفسها. التحقت بجامعة أم القرى – فرع الطالبات بحي الزاهر في مكة المكرمة، ومع الاجتهاد وتوفيق الله تخصصت في تاريخ العهد القريب، وبوجه خاص تاريخ الخليج العربي. ثم واصلت مسيرتها العلمية حتى أصبحت أستاذة جامعية في أم القرى في قسم التاريخ.

وللدكتورة حياة مبدأ راسخ: كل تاريخ تعشقه، لا بد أن تزور أماكنه وتعايش ثقافته. ومن هنا أحبّت البحرين، فقررت أول مرة أن تزورها بسيارتها مع أهلها من مكة المكرمة. ثم توالت زياراتها واحدة تلو الأخرى، حتى غدا الطريق بين مكة والمحرق كقوسٍ مشدود يشدّها بالشوق كل مرة.

تأملت حياة ثقافة البحرين، وناسها الطيبين، وعقول مفكريها، واتجاهات أقلامهم، فازداد عشقها لهذا الوطن الجميل.

ثم جاءت مع وفد من نادي الإبداع العربي السعودي برئاسة الدكتور محمد بن عيد السريحي لزيارة الشيخ صلاح الجودر وأعضاء منتدى مراجعات السبت في البحرين، بهدف إحياء نشاط ثقافي يعزز العلاقات بين المملكتين (السعودية والبحرين). وانطلاقًا من قناعة راسخة بأن الجسور الحقيقية هي الجسور الثقافية التي تجمع المراكز الفكرية والشعرية في البلدين، وتفتح أبواب التواصل بين النخب المثقفة، ألقت البروفسور د. حياة الرشيدي محاضرة عن تاريخ الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – وزياراته إلى البحرين، وذلك في مجلس آل جودر الكرام بمدينة المحرق العريقة.

وخلال هذه الزيارة اكتشفت حياة الرشيدي جانبًا جديدًا من جمال البحرين، وتعرّفت عن قرب على الدور الثقافي المهم الذي تلعبه المجالس البحرينية.

وازداد شغفها باكتشاف تفاصيل البحرين، فقررت في زيارتها الحالية الإقامة في فندق روتانا المنامة بالقرب من باب البحرين. وتحرص كل صباح على الخروج للمشي بين أزقة المنامة لاستنشاق عبقها الثقافي والاستمتاع بأسواق باب البحرين.

ومن أجمل ما قالت: "يعجبني سوق المنامة المشبع بالموروثات الشعبية؛ من الزل وروائح الدخون ومذاقات الحلويات، إلى الملابس التراثية والمصوغات الذهبية… إنه تاريخ ممتزج براحة الحداثة. ولقد لفت انتباهي مقهى سينامون الذي تجشّم عناء رسم لوحة ضخمة تعبر عن تاريخ باب البحرين على القيشان."

وقالت أيضًا: "البحرين موزاييك مُشجَّر، مجدولٌ من تعاشق ضفائر الثقافات والمكونات… تعشيقة سلام وحب وتعايش."

وأضافت د. حياة الرشيدي إنها خلال زياراتها المتكررة للبحرين اكتشفت وجهًا جديدًا من وجوه السياحة التي تتميّز بها المملكة، وهو ما تسميه "السياحة الفكرية والثقافية". فهذا النوع من السياحة—الذي يقوم على حضور المحاضرات والندوات والبرامج التعليمية—تراه الدكتورة حياة مجالًا ثريًا في البحرين، حيث تجتمع المجالس الثقافية، والمنتديات الفكرية، والفعاليات الأدبية لتمنح الزائر فرصة نادرة للاندماج في بيئة معرفية حيّة. وتؤمن أن هذا النمط من السياحة يشبه السفر من أجل التعلم، حيث يصبح حضور المحاضرة أو النشاط الثقافي هو جوهر الرحلة، مما يضيف إلى تجربة الزائر عمقًا وفهمًا أوسع للهوية البحرينية وتنوعها الثقافي.

البروفسور القت كلمة عن تأثير قدوم القابلة أم جان التركية الى البحرين. النزوح والتحول من مكان الى مكان يجلب معه ثقافات واردة تتلاقح مع ثقافات حاضنة. التقاء البحرين الثقافيين فوق ربوع البحرين موضوع التعايش الذي لفت انتباه البروفسور وأرادت أن تتكلم عنه في مجلس آل جودر الكرام يوم أمس.

وقد أوضحت البروفسور أنها ستتوسع اليوم في حديثها حول "المرأة في كتابات الرحّالة"، وذلك في مجلس الأستاذة هنادي الجودر. فهذا الموضوع يمثل أحد الجوانب المضيئة في أدبيات الرحلة، حيث سجّل الرحّالة عبر القرون صورًا متعددة للمرأة في المجتمعات التي زاروها، باعتبارها عنصرًا أساسيًا لفهم طبيعة الشعوب وثقافتها.

وقد شكّلت كتابات الرحّالة كنزًا معرفيًا؛ فمن خلال يومياتهم ومشاهداتهم نقلوا أوصاف المرأة في الملبس والمكانة الاجتماعية والتعليم والعمل. وقد رصد الرحّالة الأوائل—العرب والغربيون—ما لفت أنظارهم من دور المرأة في إدارة شؤون البيت، أو مشاركتها في الحرف التقليدية، أو حضورها في الأسواق والمناسبات الدينية والاجتماعية. وفي بعض الرحلات الأوروبية إلى الخليج والجزيرة العربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ظهرت إشارات واضحة لإعجاب الرحّالة بما تتمتع به المرأة في بعض البيئات الخليجية من قوة الشخصية، ودورها في تثبيت البنية الأسرية، وحضورها في المشهد الاقتصادي من خلال التجارة وصناعة الحرف.

أما الرحّالة العرب، فقد أبدوا اهتمامًا أكبر بالجوانب الأخلاقية والاجتماعية، فنقلوا صورًا عن كرم المرأة وبصمتها في الحياة الثقافية والاجتماعية، وحرصها على التعليم الديني، ودورها في الحفاظ على التراث والعادات.

وتشير البروفسور د. حياة الرشيدي إلى أن هذه الكتابات—على اختلاف مصادرها واتجاهاتها—تكشف أن صورة المرأة كانت دائمًا مؤشرًا حيًّا على تطور المجتمعات، ونافذة ثرية لفهم منظومة القيم والثقافة المحلية. ولذلك ترى أن البحرين قدّمت نموذجًا خاصًا للرحّالة، إذ وصف العديد منهم حضور المرأة البحرينية في الحياة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية، مشيدين بإرثها العريق وتاريخها الممهور بالعلم والعمل.

وهكذا، تختتم د. حياة الرشيدي زيارتها الحالية للبحرين بثراء فكري جديد، مؤكدة أن المملكة ليست مجرد محطة سياحية تقليدية، بل فضاء ثقافي نابض، يربط بين التاريخ والمعرفة والإنسان. وبين مكة والمحرق، يبقى القوس مشدودًا… يجرّ خيط الشوق، ويستدعي رحلة جديدة نحو وطنٍ يجمع القلوب قبل الأماكن.