جرأة العقل قبل جرأة الكلمة

| زهير توفيقي

في فضاء إعلامي تتزاحم فيه البرامج، ويكثر فيه الظهور لمجرد الظهور، يبرز الإعلامي العراقي مهدي جاسم كنموذج مختلف؛ نموذج استطاع أن يضع لنفسه مساحة واضحة وسط الضوضاء، لا من خلال الشعارات أو الإثارة، بل عبر محتوى رصين وطرح مسؤول يجذب المشاهد ويستحوذ على اهتمامه. ومن يتابعه يدرك أن حضوره لم يكن مصادفة، بل نتيجة مسار مهني واعٍ، وخيار واضح للانحياز إلى الناس وقضاياهم قبل أي شيء آخر. منذ بداياته الإعلامية، اختار مهدي جاسم أن يبتعد عن النمط التقليدي الذي اعتاد عليه الجمهور؛ فقدم نفسه باعتباره إعلاميًّا لا يبحث عن التأثير اللحظي، بل عن إثارة السؤال، وتحريك العقل، وفتح نوافذ جديدة للتفكير. وبرنامجه «بكل جرأة» يشكل انعكاسًا دقيقًا لهذه الرؤية؛ فمن خلاله يعالج طيفًا واسعًا من القضايا، تمتد من السياسة إلى الاقتصاد، ومن الثقافة إلى الأخلاق، والقيم، ومن الشأن العام إلى تفاصيل الحياة اليومية. واللافت في أسلوبه أنه لا يُقحم نفسه في دور الواعظ ولا يتبنّى موقع المهاجم، بل يقف على مسافة متوازنة تسمح له بتقديم قراءة واضحة، تسلط الضوء على المشكلة دون التورط في الشخصنة، وتحفظ للمتابع حقه في تكوين رأيه الخاص. هذه القدرة على المحافظة على الاتزان وسط عالم مليء بالاستقطاب هي في حد ذاتها قيمة ينبغي التوقف عندها. إنّ ما يميز مهدي جاسم بحق، هو عمقه الإنساني؛ فحين يتناول قضية اجتماعية أو حادثة، لا يركز على السطح، بل يذهب إلى جذور المشكلة: السلوك، الوعي، الأخلاق، والمسؤولية الفردية والمجتمعية. وهذا الطرح يجعل محتواه أقرب إلى رسالة تتجاوز حدود الإعلام التقليدي، وتحمل في طياتها دعوة لإعادة النظر في كثير من السلوكيات والعادات التي أصبحت مألوفة رغم ما فيها من خلل. ومتابعتي له ليست مجرد متابعة إعلامية عابرة، بل متابعة نابعة من قناعة بأنّ ما يقدمه يثري المتلقي؛ لأنّه يطرح قضايا تحمل رسائل وعبرًا، ويعيد ترتيب الأولويات في ذهن المشاهد؛ ففي كل حلقة تقريبًا، يستطيع أن يفتح نافذة على جانب غائب، أو يثير تساؤلًا لم يخطر على البال، أو يقدم قراءة تضع الحدث في سياقه الأكبر. وهذا ما يجعل تأثيره أبعد من مجرد مشاهدة، بل هو تأثير يمتد إلى التفكير والمراجعة. كما أن نجاحه لا يقوم على الجرأة فحسب، بل على التحضير العميق، والمتابعة الدقيقة للأحداث، والاطلاع الواضح على خلفيات القضايا التي يناقشها؛ فمن يتابعه يلاحظ أنه يملك مخزونًا معرفيًا، وقدرة على الربط بين ما يجري اليوم وبين ما جرى بالأمس، وعلى قراءة الحدث من زوايا مختلفة، وهو ما يمنح المشاهد شعورًا بأنه أمام إعلامي يحترم عقله ووقته ويملك كاريزما رائعة ومؤثرة. ولا ضير إذا لم نتفق معه في بعض المواقف التي قد لا تنطبق علينا، ولكن أجد من الضروري الاستفادة من هذا الإعلامي الكبير الذي يقوم بدور كبير في تقديم أفضل أداء في مسيرته الإعلامية. ولا يمكن تجاهل البعد الأخلاقي في خطابه؛ فهو وإن تناول السياسة بقسوتها، والمجتمع بمشكلاته، يظل متمسكًا بنبرة تهدف إلى التهذيب لا الإثارة، والتوعية لا التشهير، وهذا هو ما تحتاجه الساحة الإعلامية اليوم بشكل أكبر من أي وقت مضى. إنّ تصدّره لمنصات النقاش في العراق يعكس ثقة الجمهور به، وثقة الناس في صدقه وحرصه على المصلحة العامة. إن تجربة مهدي جاسم تثبت أن الإعلام الحقيقي لا يزال قادرًا على صناعة الفرق، حين يكون مبنيًا على المعرفة، والنزاهة، والوضوح، والقرب من الناس. ولهذا أراه من الأصوات الإعلامية التي تستحق الثناء والدعم؛ لأنه يقدم نموذجًا يوازن بين الجرأة والاحترام، بين النقد والموضوعية، بين كشف الخلل والبحث عن الحل. ومن وجهة نظري المتواضعة فإن مواضيع وأفكار وآراء مهدي لا تقتصر على الوضع في العراق فحسب، بل على جميع المجتمعات العربية وحتى الغربية بحسب موضوع الحلقة. الخلاصة.. تجربة مهدي تُذكّرنا بالدور الأصيل للإعلام: أن يكون مرآة للمجتمع، وجسرًا للوعي، ومنبرًا يحفز على التفكير، لا مجرد منصة للعرض أو الظهور. ومن هنا تأتي أهميته وتأثيره، ليس فقط لدى من يتابعونه من العراق، بل لدى كل من يبحث عن محتوى إعلامي يضيف له، ويترك في ذهنه فكرة جديدة أو عبرة تستحق التأمل.

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني