روح القانون

التواصل.. عادة حسنة ينبغي ألا تختفي

| زهير توفيقي

لم يعد التواصل بين الأهل والأصدقاء كما كان في السابق؛ فالزيارات المتبادلة أصبحت أقل، والمكالمات الهاتفية لم تعد عادة يومية كما اعتدنا. قد يرى البعض في هذا تغيّرًا سلبيًا فرضته التكنولوجيا الحديثة، لكنني أرى في الجانب الآخر فرصة ثمينة إذا أُحسن استخدامها؛ فالتواصل - بأي وسيلة كانت - يظل من الطباع الجميلة والعادات الحسنة التي تُبقي العلاقات حيّة وتُدفئ الروابط الإنسانية. اليوم فتحت لنا وسائل التواصل الاجتماعي نافذة واسعة نطلّ من خلالها على من نحب، نطمئن عليهم، ونتبادل معهم الأخبار والمعلومات والرسائل اللطيفة.  قد لا تعوّض هذه الوسائل دفء الجلسات، لكنها تمنحنا جسرًا مستمرًا لا ينقطع، يُبقي القلوب قريبة مهما باعدت بيننا الانشغالات وظروف الحياة.  شخصيًا أرى في هذا التواصل قيمة كبيرة وأمارسه عن قناعة وبشكل يومي؛ فكم من رسالة نصية بسيطة كانت سببًا في إدخال السرور على قلب شخص، أو تجديد الصلة، أو خلق فرصة للتعلم وتبادل المعرفة. ولعل أجمل ما في هذه الوسائل أنها أصبحت منصة لتداول الحكم، والمعلومات العلمية، والمواد المعرفية التي تساعد على تطوير الذات بسرعة لا نراها في أي حقبة سابقة. إن تغذية العقل بالعلم والمعرفة لم تعد مرهونة بكتاب ثقيل أو مجلس مطوّل؛ يكفي أن يرسل لك صديق مادة ملهمة فتفتح أمامك بابًا جديدًا للفهم والتعلّم. في المقابل، أجد من الضرورة ومن باب الالتزام الأدبي التأكد من مصدر المعلومة أو الخبر والتحقق منها قبيل نشرها؛ فمن تجاربنا السابقة وجدنا أن هناك نفوسا مريضة تنشر الإشاعات المغرضة بهدف في نفس يعقوب ولا حتى نعلم أسبابها! على سبيل المثال وليس الحصر، نشر أخبار وفيات لا يمثلون شخصيات معروفة في المجتمع - من الجنسين - أو لتمرير أجندات خارجية تسيء لوطننا الغالي. أتذكر أنني تلقيت خبر وفاة إحدى الشخصيات النسائية التي كانت في العناية المركزة، إذ كانت - رحمها الله - كبيرة في العمر وتعاني مشكلات صحية كثيرة، ومن باب الحرص والنية الصادقة أرسلت خبر الوفاة إلى الكثير من الأهل والأصدقاء بهدف الإخطار لأداء الواجب من خلال تقديم التعازي، ولكنني أتفاجأ بأن الخبر كان إشاعة! أتذكر يومها تلقيت الكثير من اللوم والعتب لأنني ساهمت في نشر هذه الأخبار ولم أتأكد من مصدرها! كما أتذكر بأنني كتبت مقالا عن هذا الموضوع الذي شرحت فيه نيتي الصادقة وألقيت اللوم، بل اللعنة، على الشخص الذي بث الخبر إذ لا أرى إلى اليوم سببا مقنعا لهذا العمل المشين الذي يسيء إلى قيم ديننا الحنيف. ولعل أجمل ما يعزّز أهمية التواصل بين الناس أن ديننا الحنيف دعا إليه صراحة وجعله من صميم الأخلاق التي يقوم عليها المجتمع. يقول تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وهي دعوة واضحة إلى الكلمة الطيبة التي تُصلح القلوب وتقرّب المسافات. وقد عبّر الشعر العربي عن هذا المعنى أيضًا حين قال زهير بن أبي سُلمى: الناسُ بالناسِ ما دامَ الحياءُ بهم والسعدُ لا يكونُ إلا بالإسعاد.  فجمال الحياة لا يكتمل إلا بتواصل الناس بعضهم مع بعض، وتبادلهم للمشاعر الطيبة، ومشاركتهم للمعرفة، ومساندتهم في المواقف الكبيرة والصغيرة. رسالة واحدة قد تُغيّر يومًا كاملًا، وقد تترك أثرًا أكبر مما نتصور، وكل ذلك لا يحتاج إلا إلى نية طيبة ووقت بسيط. رسالتي إلى الجميع، من واقع تجربة ومعايشة، هي أن التواصل قيمة لا ينبغي التفريط فيها. لا تتركوا مشاغل الحياة تقطع ما يجمعكم بمن تحبون، ولو بكلمة، ولو برسالة قصيرة.  فالكلمة الطيبة صدقة، والتواصل رحمة، وتقوية للروابط، وارتقاء بوعينا وثقافتنا وعلاقاتنا. ليكن تواصلنا - التقليدي منه والرقمي - وسيلة لبناء مجتمع أكثر وعيًا، وأكثر دفئًا، وأكثر قدرة على أن يسعد بعضه بعضًا.  والله من وراء القصد.

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني